facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين شرعية الانتخاب وكفاءة التعيين في الإدارة المحلية


كامل الروضان
14-08-2026 12:36 AM

مع اقتراب مجلس النواب من مناقشة قانون الإدارة المحلية، وما يثار حوله من نقاش بشأن مستقبل البلديات وصلاحيات رئيس البلدية ومديرها، أجد من واجبي، كمواطن تابع هذه التجربة على مدى سنوات طويلة، أن أطرح رأياً بصراحة وهدوء، بعيداً عن أي موقف مسبق مع الانتخاب أو التعيين.

أنا مع الديمقراطية، ومع أن يكون الشعب مصدر السلطات، وأن يختار ممثليه بإرادته الحرة. لكنني في الوقت نفسه أؤمن بأن الانتخاب وحده لا يكفي، كما أن التعيين وحده لا يعني بالضرورة النجاح. والقضية، في تقديري، هي كيف نبني نظاماً يجمع بين شرعية الاختيار وكفاءة التعيين ووضوح المسؤولية والمساءلة.

ولنبدأ من واقع نراه كل يوم في العاصمة. فأمانة عمّان الكبرى تقدم نموذجاً لافتاً في النظافة والتنظيم والخدمات، حتى إن شوارع عمّان يمكن أن تقارن، بكل ثقة، بشوارع عواصم دول متقدمة، بل إنني، من خلال ما أتيح لي من سفر ومشاهدة، وجدت في بعض جوانبها مستوى من النظافة والتنظيم يفوق ما رأيته في عدد من العواصم الأوروبية المتقدمة.

وما يلفت انتباهي دائماً في شوارع عمّان ذلك الحضور اليومي لعمال النظافة والخدمات، الذين أحب أن أسميهم «فرسان الوطن». فهم لا يؤدون عملاً وظيفياً فحسب، بل يعملون بإحساس عميق بالمسؤولية والانتماء؛ ينظفون شوارع وطنهم كما يحرصون على نظافة بيوتهم، ويقدمون ما لديهم من جهد وطاقة ووجدان. وكيف لا، وقد كان أول من كرّمهم وأدخلهم إلى بيته هو جلالة سيدنا الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، أعز الله ملكه، بحضور الغالي ولي عهده الأمين، سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني. فهنيئاً لكم، أيها الفرسان، هذا التشريف الملكي السامي.

وهنا يبرز السؤال: هل النجاح في العمل البلدي مرتبط دائماً بكون المسؤول منتخباً أم معيناً؟ أم أن الأمر يرتبط قبل ذلك بالكفاءة والصلاحيات والمساءلة والقدرة على اتخاذ القرار؟

ولنبتعد قليلاً عن العاصمة. فمن واقع ما أستمع إليه من أصدقاء أثق بهم كثيراً، ويمتلكون مزارع صغيرة واستراحات في إحدى مناطق الأغوار، يؤكدون أن المنطقة كانت قبل نحو أربعين عاماً أنظف وأجمل وأكثر اهتماماً، وأن مستوى الخدمات فيها كان أفضل مما هو عليه الآن، رغم مرور كل هذه السنوات وما يفترض أن يصاحبها من تطور وتحسن في مستوى الخدمات.

وهنا تبرز قضية أخرى؛ فكثير ممن يملكون مزارع واستراحات في تلك المناطق لا يحق لهم الانتخاب فيها، وبالتالي لا يشكلون، من الناحية الانتخابية، ثقلاً يؤثر في أولويات المجلس البلدي. وهذا يطرح سؤالاً مهماً: هل يجب أن ترتبط الخدمة العامة بعدد الأصوات، أم ينبغي أن تكون حقاً لكل من يعيش في المنطقة أو يملك فيها أو يحتاج إلى خدماتها، بصرف النظر عن حقه الانتخابي؟

وهنا تظهر أهمية وجود مدير بلدية مهني لا يرتبط بصندوق الاقتراع في منطقة بعينها. فهو يستطيع أن ينظر إلى المنطقة واحتياجاتها باعتبارها مسؤولية خدمية، لا باعتبارها كتلة انتخابية، وأن يخدم الجميع دون محاباة لقريب أو صديق أو جار. وقد يكون من الجنوب ويدير بلدية في الشمال، أو من الشرق ويدير بلدية في الغرب، فتحكمه الأنظمة والتعليمات وواجبات الوظيفة.

والأهم أن المدير المعين لديه مرجعية واضحة تحاسبه؛ فهناك وزارة مختصة ومسؤولون يستطيعون تقييم أدائه وتغييره أو إعفاءه إذا لم يحقق المطلوب.

أما رئيس البلدية المنتخب، فله شرعية شعبية لا يمكن الاستهانة بها، لكن الواقع الاجتماعي في بعض المناطق قد يجعل الاختيار متأثراً بالاعتبارات العائلية والعشائرية والجيرة. ولا أقول إن هذا ينطبق على الجميع؛ فهناك رؤساء بلديات أدوا واجبهم بكفاءة وإخلاص، ولا يجوز أن نظلمهم بتعميم غير منصف. لكن المطلوب هو أن يكون النظام نفسه قادراً على ضمان جودة الخدمة، بغض النظر عن شخصية المسؤول.

وهنا أصل إلى النقطة الجوهرية: الانتخاب مهم، والتعيين المهني مهم، لكن الأهم هو وضوح الصلاحيات وتحديد المسؤوليات ووجود جهة قادرة على اتخاذ القرار والمساءلة.

فليس المطلوب أن نختار بين الديمقراطية والكفاءة، ولا أن نقول إن المنتخب أفضل دائماً من المعين أو العكس. المطلوب أن نسأل: من يملك الصلاحية؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ ومن يحاسب؟

فالناخب عندما ينتخب رئيس بلدية يمنحه مسؤولية خدمة جميع أبناء البلدية، وليس فئة دون أخرى. والنائب عندما يضع القانون لا يختار فقط بين شخص منتخب ومدير معين، بل يضع إطاراً سيؤثر في حياة الناس وخدماتهم لسنوات طويلة.

ومن هنا أرى أن أمام مجلس النواب فرصة حقيقية لبناء نموذج متوازن للإدارة المحلية؛ نموذج يحافظ على حق المواطن في الاختيار، ويضمن في الوقت نفسه وجود إدارة تنفيذية مهنية، وصلاحيات واضحة، ومحاسبة حقيقية.

الديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع، كما أن الإدارة ليست مجرد تعيين موظف. الديمقراطية الحقيقية هي أن يختار المواطن، ثم يجد أمامه إدارة تعمل بكفاءة، ومسؤولاً يعرف صلاحياته، وجهة تحاسبه إذا أخطأ، ونظاماً لا يسمح للقرابة أو النفوذ أو المصالح الشخصية بأن تكون أقوى من القانون.

وفي النهاية، فإنني أرى أن الانتخاب والتعيين ليسا بالضرورة خيارين متعارضين، بل يمكن أن يتكاملا في نظام واحد يحقق المصلحة العامة.

وهذه، في تقديري، هي المعادلة التي يجب أن نبحث عنها في قانون الإدارة المحلية: شرعية شعبية، وكفاءة مهنية، وصلاحيات واضحة، ومساءلة حقيقية.

كما يجب أن يكون واضحاً أن توازن الصلاحيات لا يعني أن تتساوى جميع الجهات في كل قرار؛ فهناك قضايا استراتيجية، وقرارات خدمية كبرى، ومواقف طارئة، تحتاج إلى صلاحية واضحة لشخص واحد لاتخاذ القرار في الوقت المناسب، حتى لا تضيع المسؤولية بين تعدد الجهات وتداخل الصلاحيات. وبعد اتخاذ القرار، تبقى المساءلة قائمة، ويحاسب المسؤول إذا أخطأ أو أساء استخدام صلاحياته.

فالمطلوب ليس أن نضعف القرار باسم الديمقراطية، ولا أن نطلق يد المسؤول باسم الكفاءة، وإنما أن نعرف من يقرر، ومن ينفذ، ومن يحاسب. وعندما تكون الصلاحية واضحة، تكون المسؤولية واضحة، وعندما تكون المسؤولية واضحة، تصبح المساءلة أكثر عدلاً وفاعلية.

وفي النهاية، المواطن لا يريد أن يعرف فقط من انتُخب ومن عُيّن؛ بل يريد شارعاً نظيفاً، وبلدية منظمة، وخدمة عادلة، ومسؤولاً يعمل من أجل الجميع. وهذه هي الغاية التي يجب أن يتقدم عليها كل جدل حول شكل الإدارة المحلية: أن نمنح المواطن حقه في الاختيار، ونمنح الإدارة حقها في الكفاءة، ونمنح المسؤول الصلاحية التي تمكنه من العمل، ثم نحاسبه عندما يخطئ





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :