ترامب وضع إيران في غرفة الإنتظار ونسي انه ينتظر معها
سمير حمدان - بودابست
15-08-2026 10:13 AM
تستطيع القوة الأمريكية تغيير ساحة المعركة أسرع مما تستطيع تغيير النتيجة، دخلت أفغانستان لإسقاط طالبان، وبعد عشرين عامًا عادت طالبان، وفي إيران قُتل علي خامنئي مع بدء الضربات الأمريكية الإسرائيلية في 28 شباط 2026، لكن الجمهورية الإسلامية بقيت وانتقلت القيادة إلى مجتبى خامنئي، واليوم يعود دونالد ترامب إلى الاقتصاد، منتظرًا أن يفعل التضخم والعزلة ما لم تحسمه الصواريخ، فهل تغيرت الاستراتيجية، أم انكشفت فرضيات الحرب .
هذا التحول لا يعني فشل الحرب، لكنه يكشف حدودها السياسية، فالملف النووي عاد إلى الدبلوماسية، وفي حزيران دخل الطرفان إطارًا تفاوضيًا مدته ستين يومًا، ما يعني أن القوة حسّنت شروط التفاوض أكثر مما حسمت النزاع، وأن القصف يستطيع تغيير القدرات، لكنه لا يضمن تغيير قرار الخصم .
والفاتورة تكشف المعضلة. مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية قدّر كلفة الحرب الأمريكية بنحو 40 مليار دولار، ضمن نطاق بين 34 و42 مليارًا ، والأكثر دلالة أن أول مئة ساعة كلفت نحو 3.7 مليارات دولار، أي 891 مليونًا يوميًا، منها 3.5 مليارات غير مدرجة في الموازنة ، هنا يصبح السؤال الاقتصادي سياسيًا : ليس هل تستطيع أمريكا الدفع، بل ماذا تشتري بهذه الأموال من تغيير في سلوك إيران، وما العائد الاستراتيجي من كل مليار إضافي ؟
وفي المقابل يدفع الاقتصاد الإيراني ثمنًا أشد ، صندوق النقد الدولي يتوقع انكماش الناتج الحقيقي 5.4 في المئة عام 2026 وتضخمًا يبلغ 68.9 في المئة ، هذه أرقام تضع المجتمع والدولة تحت ضغط اقتصادي واجتماعي هائل، لكنها لا تثبت أن النظام على وشك السقوط، فالاقتصاد قد ينكسر أسرع من السلطة، والعقوبات من دون مخرج سياسي قد تستنزف المواطنين قبل أن تغير حسابات القيادة .
ثم جاءت هرمز لتحول المواجهة إلى ضريبة على الاقتصاد العالمي ، إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تقول إن 20.9 مليون برميل يوميًا عبرت المضيق في النصف الأول من 2025، تعادل نحو 20 في المئة من استهلاك السوائل النفطية عالميًا وربع تجارة النفط البحرية، بينما لا توفر خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية البديلة سوى نحو 4.7 ملايين برميل يوميًا من طاقة التجاوز .
وفي 14 آب سجلت بيانات كبلر تسع سفن سلعية مقابل متوسط آب البالغ اثنتي عشرة، بعدما كانت الحركة قبل الحرب تقارب 130 سفينة يوميًا ، وفي اليوم نفسه تجاوز برنت 88 دولارًا للبرميل، بينما بلغ متوسط البنزين الأمريكي 4.08 دولارات للغالون، بزيادة 29 في المئة سنويًا. هكذا ينتقل جزء من فاتورة الحرب من طهران إلى محطات الوقود الأمريكية والحلفاء .
هنا تظهر المفارقة، وضع ترامب إيران في غرفة انتظار اقتصادية، ثم اكتشف أن أمريكا تجلس فيها أيضًا ، فكلما طال الحصار ازداد الضغط على طهران، لكن ترتفع معه كلفة الطاقة والانتشار العسكري واضطراب التجارة .
والأخطر أن انهيار إيران قد يصبح مشكلة أكبر من بقائها دولة بهذا الحجم تملك مؤسسات عسكرية وترسانة صاروخية وبرنامجًا نوويًا غير محسوم، وإذا تفككت بلا انتقال منظم فقد تنتقل المنطقة من خصم يمكن ردعه إلى فراغ يصعب تحديد من يملك فيه السلاح واليورانيوم، فإسقاط النظام ليس خطة لليوم التالي .
أمام الطرفين ثلاثة مسارات، تفاهم مرحلي حول النووي وهرمز، أو تصعيد إذا فشل الضغط الاقتصادي، أو، وهو الأرجح، استنزاف يجمع الحصار والضربات المحدودة والتفاوض حتى تنضج تسوية ناقصة .
الحل يبدأ بتحويل القوة إلى أهداف قابلة للقياس، سقف واضح للتخصيب، تفتيش دولي قابل للتحقق، ضمان الملاحة، وربط التنفيذ الإيراني برفع تدريجي للعقوبات ، فإذا كان الهدف تغيير السلوك، يجب أن توجد بوابة للخروج من العقوبات، أما إذا كان الهدف إسقاط النظام، فعلى واشنطن أن تجيب من سيحكم إيران بعده ومن سيضمن منشآتها النووية .
وقد تكون المفاجأة أن تنتهي الحرب حيث كان يمكن أن تبدأ، على طاولة التفاوض ، إيران لا تستطيع هزيمة أمريكا، وأمريكا تستطيع تدمير الكثير، لكنها لا تستطيع أن تقرر وحدها ما يأتي بعد الدمار ، فالسؤال الحقيقي ليس كم تستطيع أمريكا أن تدمر، بل ماذا تريد أن يبقى، لأن القوة تستطيع بدء الحرب، لكن الاستراتيجية وحدها تعرف كيف تنهيها .