اللاهوت الجيوسياسي وخطة غزة: هل تكفي الواقعية السياسية لصناعة السلام؟
م. سعيد المصري
15-08-2026 12:36 PM
* الجزء الثالث والأخير
غزة والضفة الغربية: وحدة القضية شرط لنجاح الخطة
تنشغل النقاشات المتعلقة بخطة غزة بقضايا وقف إطلاق النار، ونزع السلاح، والانسحاب الإسرائيلي، والإدارة الانتقالية، وإعادة الإعمار. غير أن نجاح هذه الترتيبات يظل مرهوناً بسؤال سياسي أشمل: هل يجري التعامل مع غزة باعتبارها جزءاً من مشروع وطني فلسطيني موحد، أم بوصفها ملفاً أمنياً وإنسانياً منفصلاً عن الضفة الغربية والقدس الشرقية؟
ليست القضية الفلسطينية، وفق قرارات الشرعية الدولية، قضية إقليمين منفصلين، بل قضية شعب واحد له الحق في تقرير مصيره ضمن وحدة جغرافية وسياسية قابلة للحياة. ولذلك فإن معالجة مأساة غزة، مهما بلغت الموارد المخصصة لها، لن تنتج سلاماً مستداماً إذا لم ترتبط بمسار سياسي يشمل الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وهنا يظهر تناقض جوهري بين مسارين قائمين على الأرض. ففي الوقت الذي تتحدث فيه خطة غزة عن إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية وتهيئة بيئة أمنية تسمح بالانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة، يستمر في الضفة الغربية التوسع الاستيطاني، وتتزايد القيود على الحركة، وتتعمق التجزئة الجغرافية بين التجمعات الفلسطينية.
إن استمرار هذين المسارين معاً يهدد بتحويل الخطة من مدخل إلى حل سياسي شامل إلى وسيلة لإدارة الانقسام جغرافياً: غزة تحت إدارة انتقالية مدعومة دولياً، والضفة الغربية مقسمة إلى تجمعات تفتقر إلى التواصل والسيادة والقدرة على إدارة مواردها وحدودها.
وهذا هو جوهر خطر «الكانتونات». فالمشكلة لا تقتصر على الحواجز والتعقيدات الأمنية، بل تكمن في تراكم وقائع ميدانية تجعل قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة أكثر صعوبة. وكلما تقلصت وحدة الأرض، فقد الحديث عن حل الدولتين مضمونه العملي، وتحول إلى عنوان سياسي بلا أساس جغرافي.
اللاهوت الجيوسياسي في مواجهة التسوية
عند هذه النقطة يكتسب تحليل الدكتورة عزة كرم حول «اللاهوت الجيوسياسي» أهمية مباشرة. فحين تُربط الأرض بروايات دينية أو تاريخية تُقدَّم باعتبارها حقوقاً مطلقة وغير قابلة للتفاوض، لا تعود السياسة بحثاً عن توازن بين المصالح، بل تصبح أداة لترجمة العقيدة إلى سيطرة جغرافية ووقائع دائمة.
ومن هنا ينشأ التباين بين منطق خطة غزة ومنطق التيارات الإسرائيلية الأكثر تشدداً. فالخطة تفترض أن الأمن يمكن أن يتحقق من خلال إجراءات متبادلة وضمانات دولية ومؤسسات فلسطينية قادرة على إدارة شؤونها. أما تلك التيارات فترى أن الأمن لا يتحقق إلا باستمرار السيطرة على الأرض والاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية ومنع أي تطور سياسي قد يقيد هذه السيطرة مستقبلاً.
ولا يعني ذلك أن المجتمع الإسرائيلي أو مؤسسات الدولة الإسرائيلية تتبنى موقفاً واحداً، لكنه يكشف العقبة الأعمق أمام تنفيذ الخطة، وهي غياب التوافق على الغاية النهائية. فالترتيبات الأمنية، مهما كانت محكمة، لا تستطيع وحدها تجاوز خلاف جذري حول الأرض والسيادة والحقوق الوطنية.
البعد الاستراتيجي الأردني
لا يمثل الفصل بين غزة والضفة الغربية خطراً على الفلسطينيين وحدهم، بل يمس البيئة الاستراتيجية للأردن مباشرة. فإضعاف فرص قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة يطيل أمد الصراع، ويزيد احتمالات عدم الاستقرار، ويفتح الباب أمام مشاريع سياسية قد تنعكس على الأردن ديموغرافياً وأمنياً وسياسياً.
لذلك لا ينبغي قياس نجاح خطة غزة بقدرتها على وقف الحرب وإطلاق عملية الإعمار فحسب، بل بمدى قدرتها على فتح مسار سياسي موحد ينتهي إلى تجسيد حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم. أما إذا تحولت الإدارة الانتقالية إلى صيغة دائمة، أو أصبحت إعادة الإعمار بديلاً عن الحل السياسي، فإن الخطة قد تنجح في احتواء الأزمة، لكنها لن تنجح في صناعة السلام.
من إدارة الأزمة إلى صناعة السلام
حتى لا تتحول خطة غزة إلى تسوية مؤقتة أو غطاء لإدامة الانقسام، ينبغي أن تقوم المرحلة المقبلة على مرتكزات واضحة.
أولها، تأكيد أن غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تشكل وحدة جغرافية وسياسية واحدة، وأن الترتيبات الانتقالية في القطاع لا تنشئ كياناً منفصلاً ولا تمثل بديلاً عن الدولة الفلسطينية.
وثانيها، ربط إعادة الإعمار والانسحاب والترتيبات الأمنية بجدول سياسي متدرج ومحدد، يقود إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد حل الدولتين، بدلاً من إبقاء المرحلة الانتقالية مفتوحة زمنياً وقابلة للتحول إلى واقع دائم.
وثالثها، توحيد الإدارة والمؤسسات الفلسطينية على أساس الشرعية والكفاءة والمساءلة، بحيث تخضع غزة والضفة الغربية لمرجعية وطنية واحدة، مع إجراء إصلاحات تعيد بناء ثقة الفلسطينيين وتحظى بمساندة المجتمع الدولي.
ورابعها، إنشاء آلية دولية ملزمة لمراقبة تنفيذ التزامات جميع الأطراف، بما يشمل وقف الأعمال العسكرية، وضبط السلاح، وانسحاب القوات، ومنع التوسع الاستيطاني والإجراءات الأحادية التي تغير الوضع القانوني والجغرافي للأراضي الفلسطينية.
وخامسها، منح الأردن ومصر والدول العربية المعنية دوراً سياسياً فاعلاً، لا يقتصر على الجوانب الأمنية والإنسانية، لضمان ارتباط ترتيبات غزة بمبادرة سياسية إقليمية تستند إلى القانون الدولي. وفي هذا الإطار، يقود الأردن مساعي عربية ودولية، تستند إلى قرار أممي، لدعم الصمود الاقتصادي للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وأخيراً، عدم السماح بتحويل إعادة الإعمار إلى مقابل للتنازل عن الحقوق السياسية؛ فإعادة بناء غزة ضرورة إنسانية وأخلاقية عاجلة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحرية والسيادة وحق تقرير المصير.
إن الواقعية السياسية تستطيع وقف الحرب وتنظيم تبادل الالتزامات وخفض كلفة المواجهة، لكنها لا تستطيع وحدها بناء سلام دائم ما لم تستند إلى عدالة قابلة للتطبيق ومرجعية قانونية مشتركة. فالسلام المطلوب ليس ترتيباً أمنياً لإدارة الفلسطينيين، ولا مشروعاً اقتصادياً لتحسين شروط حياتهم تحت السيطرة، بل تسوية تعترف بحقوقهم الوطنية وتوفر الأمن المشروع لجميع شعوب المنطقة.
وعليه، فإن الاختبار الحقيقي لخطة غزة لن يكون في قدرتها على إعادة إعمار ما دمرته الحرب فحسب، بل في قدرتها على منع إعادة إنتاج أسبابها. وهذا يتطلب الانتقال من إدارة غزة إلى معالجة القضية الفلسطينية، ومن احتواء الصراع إلى حلّه، ومن موازنة القوة إلى الاحتكام للقانون والحقوق المتبادلة.
عندها فقط يمكن أن تصبح الخطة بداية لصناعة السلام، لا مجرد استراحة بين حربين.