facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




دعوة إلى مراجعة منهجية لأحكام الحضانة: "مصلحة الطفل ومقاصد الشريعة أولًا"


د. محمود أبو رمان
15-08-2026 01:47 PM

سبعٌ للولد، وتسعٌ للبنت... رقمان استقرّا في الوعي الجماعي حتى بات كثيرون يظنّونهما نصًا شرعيًا قاطعًا لا يقبل الجدل أو المراجعة. فهل هذا صحيح فعلًا؟ وهل حدد القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة سنًا بعينها لانتهاء حضانة الطفل؟

هذه المسألة، التي كثر حولها الجدل في المجال الأسري، تستحق وقفة تأمل جادة تفرّق بين ما هو ثابتٌ من الشريعة وما هو اجتهادٌ بشري قابل للنظر.

فالقراءة العلمية للنصوص الشرعية، والنظر المتأني في المدونة الفقهية، يكشفان أن الأمر ليس كذلك؛ إذ لا يوجد في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية الصحيحة نص يحدد سنًا معينة لانتهاء الحضانة، وإنما جاءت هذه الأعمار نتيجة اجتهادات فقهية لبعض العلماء، استندت إلى تقديراتهم للواقع الاجتماعي والظروف السائدة في زمانهم، ثم أخذت بها بعض التشريعات، فتحولت بمرور الزمن إلى ما يشبه القاعدة المستقرة في أذهان الناس.

والتمييز هنا ضروري بين النص الشرعي الثابت وبين الاجتهاد الفقهي المتغير؛ فالنصوص القطعية لا مجال لتغييرها، أما المسائل الاجتهادية التي لم يرد فيها نص ملزم فتظل قابلة للنظر والمراجعة متى تغيرت الأحوال، أو ظهرت مصالح معتبرة، أو استجدت معارف تحقق مقاصد الشريعة بصورة أفضل.

لقد وضع القرآن الكريم القواعد الكلية التي تحكم موضوع الحضانة، ولم يربطها برقم معين، فقال تعالى:

﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾

وهذه الآية أصل عظيم في بناء الأحكام الأسرية؛ إذ جعلت منع الضرر وحماية الطفل أساسًا للعلاقة بين الوالدين، فلم تجعل الطفل مجالًا للصراع، ولا وسيلة للضغط أو الانتقام، بل جعلته أمانة مشتركة يجب أن تُصان حقوقها ومصالحها.

كما قال تعالى:﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾.

فالنسب والمصاهرة من الروابط التي أقام الله عليها بناء الأسرة، ولا تنتهي آثارها بانتهاء العلاقة الزوجية؛ فالطلاق ينهي عقد الزواج، لكنه لا ينهي الأبوة ولا الأمومة، ولا يُسقط حق الطفل في الرعاية والارتباط بوالديه.

وجاءت السنة النبوية مؤكدة لهذا المعنى؛ ففي قصة المرأة التي طالبت بحضانة ولدها، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي»

ولم يحدد النبي صلى الله عليه وسلم سنًا معينة تنتهي عندها الحضانة، ولو كان تحديد السن حكمًا تعبديًا لازمًا لبيّنه كما بيّن سائر الأحكام التي لا مجال للاجتهاد فيها.

ولهذا اختلف الفقهاء في تحديد مدة الحضانة اختلافًا واسعًا؛ فمنهم من ربطها بالتمييز، ومنهم من جعلها إلى البلوغ، ومنهم من فرّق بين الذكر والأنثى، ومنهم من اعتبر حال الطفل وقدرته على الاستغناء، ومنهم من جعل للطفل حق الاختيار عند بلوغ مرحلة معينة من الإدراك.

وهذا الاختلاف الفقهي الطويل يؤكد أن المسألة ليست من القطعيات، وإنما هي من مسائل الاجتهاد التي مدارها على تحقيق المصلحة، ولذلك لا يصح أن تتحول آراء بعض الفقهاء إلى نصوص مقدسة لا تقبل النظر، لأن الفقهاء أنفسهم لم يتعاملوا معها بهذه الطريقة.

وقد قرر علماء الأصول أن الأحكام المبنية على الاجتهاد والمصلحة تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال، وأن الشريعة جاءت لتحقيق العدل والرحمة ورفع الضرر. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله إن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وأنها عدلٌ كلها، ورحمةٌ كلها، ومصالحُ كلها.

ومن هذا المنطلق، فإن الحضانة ليست حقًا خالصًا للأم، ولا حقًا ينازع فيه الأب، وإنما هي قبل ذلك كله حق للطفل نفسه؛ لأن الغاية من الحضانة ليست تمكين أحد الوالدين من الآخر، وإنما حفظ الطفل ورعايته وتأمين نشأته السليمة واستقراره النفسي والاجتماعي.

وقد جاء قانون الأحوال الشخصية الأردني رقم (15) لسنة 2019 لتنظيم أحكام الحضانة في إطار اجتهاد تشريعي مستند إلى الفقه الإسلامي، إلا أن التنظيم القانوني بطبيعته يبقى قابلًا للتطوير والمراجعة؛ لأن القانون وسيلة لتحقيق مقاصد الشريعة، وليس غاية مستقلة عنها.

ومن هنا، فإن مراجعة أحكام سن الحضانة لا تعني تجاوز الشريعة أو مخالفة أحكامها، بل تعني العودة إلى روح الشريعة ومقاصدها، والبحث عن التنظيم الذي يحقق مصلحة الطفل بصورة أفضل، خصوصًا في ظل تغيّر الظروف الاجتماعية، وتطور الدراسات النفسية والتربوية، وظهور الحاجة إلى تعزيز مفهوم المسؤولية الوالدية المشتركة.

إن المرحلة القادمة تحتاج إلى مراجعة منهجية تجعل معيار الحضانة هو المصلحة الفضلى للطفل، لا مجرد بلوغ سن محددة بصورة آلية، بحيث يُترك للقضاء مساحة أوسع لتقدير ظروف كل حالة، ومراعاة شخصية الطفل واحتياجاته وعلاقته بوالديه.

كما أن من مقتضيات العدالة الأسرية الحديثة تطوير مفهوم سماع رأي الطفل متى بلغ من النضج والإدراك ما يؤهله للتعبير عن رغبته، على أن يكون ذلك ضمن ضمانات تمنع التأثير عليه أو استغلاله في النزاع بين والديه، وأن يكون رأيه عنصرًا من عناصر التقدير القضائي الذي يبحث عن مصلحته الحقيقية.

إن حماية الأسرة لا تكون بإقصاء أحد الوالدين، ولا بتحويل الحضانة إلى ساحة صراع، وإنما بإدراك أن الطفل يحتاج إلى أب وأم، وأن رابطة الأبوة والأمومة أسمى من الخلافات الزوجية، وأن العدالة تقتضي الحفاظ على صلته بكليهما ما دام ذلك يحقق مصلحته.

ومن هنا، فإن الدعوة إلى مراجعة سن الحضانة ليست دعوة ضد الشريعة، وإنما هي دعوة إلى فهمها فهمًا مقاصديًا عميقًا، وإلى التمييز بين النص الثابت والاجتهاد المتغير، وبين الحكم الشرعي القطعي والتنظيم القانوني الذي يتغير لتحقيق المصلحة.

إن مشروع المراجعات المنهجية لحماية الأسرة ينطلق من هذه الرؤية؛ رؤية تجعل الطفل محور الحماية، والأسرة غاية التشريع، والوالدين شريكين في المسؤولية دون تمييز أو محاباة، وتؤمن بأن أفضل القوانين ليست تلك التي تتمسك بالأرقام لذاتها، وإنما تلك التي تحقق العدل والرحمة وتحفظ الإنسان.

فالحضانة ليست سبعًا أو تسعًا فقط، وإنما هي أمانة، ومصلحة، ومسؤولية، ومقصدها الأول والأخير: طفل محفوظ الحقوق، وأسرة أكثر استقرارًا، وعدالة أقرب إلى مقاصد الشريعة الاسلامية وروحها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :