الشرق الأوسط في عين العاصفة
أمل محي الدين الكردي
15-08-2026 03:33 PM
لا تشهد المنطقة العربية والشرق أوسطية مجرد أزمات عابرة أو جولات صراع تقليدية قابلة للطي، بل تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي تعيد فيه القوى الكبرى والإقليمية صياغة موازين القوة وتوزيع الأدوار، فالعام الجاري لا يُقاس بكونه سنة صراع فحسب، بل كسنة تحول كبرى تتقاطع فيها خطوط الطاقة، والتنافس الاستراتيجي، ومشاريع إعادة هندسة الجغرافيا السياسية، لتتحول المنطقة إلى مختبر مفتوح لتسويات قاسية وفراغات سلطة تسعى أطراف عدة لملئها.
وفي هذا السياق، تتحرك المنطقة وفق قواعد ردع شديدة التعقيد، حيث انتقلت الصراعات من المواجهات العسكرية المباشرة والشاملة إلى ما يمكن وصفه بإدارة الأزمات لا حلها، وهو نهج يعكس رغبة دولية وإقليمية في إبقاء صواعق التفجير تحت السيطرة دون الذهاب نحو تسويات جذرية تنهي أصل الأزمات، لتبرز صراعات المحاور الكبرى كعنوان رئيسي تتداخل فيه الطموحات الإقليمية مع استراتيجيات القوى الدولية لتقاسم النفوذ وتثبيت قواعد اشتباك جديدة تجعل من الاستقرار الإقليمي حالة هشّة وقابلة للتغير في أي لحظة وفقاً لأي اهتزاز في خطوط التماس السياسية.
وعلى الأرض، تتجلى هذه التحولات في بؤر التوتر الساخنة من غزة وسوريا ولبنان والملف الإيراني، حيث أدى تراجع أو تآكل الأدوار التقليدية لبعض الأطراف إلى إحداث فراغ في السلطة دفع قوى دولية وإقليمية جديدة لملئه مدفوعة بمخططات ترتكز على تغيير ملامح الخريطة السياسية والأمنية، فالتقارير الاستراتيجية والتحليلات الإعلامية تشير باتجاه واحد إلى أن ما يجري اليوم ليس صراعاً على النفوذ السياسي المؤقت بل هو إعادة هندسة شاملة للخرائط وتوزيع جديد للأدوار، مما يحول الدول الضعيفة أو المهشمة إلى ساحات اختبار لمشاريع الكبار.
ووسط هذا المخاض العسير وصراع المحاور الذي لا يرحم، يبرز الأردن كركيزة أساسية وصمام أمان في المنطقة، فبحكم موقعه الجيوسياسي الحساس يقف في عين العاصفة مدافعاً عن استقراره الوطني بوعي عالي وثبات استراتيجي متصدياً لتداعيات فراغ السلطة والتهديدات الأمنية والحدودية، وفي الوقت الذي تسعى فيه قوى الإقليم لفرض خرائط جديدة بالقوة يواصل الأردن بقيادته الهاشمية دوره التاريخي والأخلاقي في نصرة القضية الفلسطينية ورفض كل مشاريع التصفية والتهجير موازناً بين حماية أمنه الداخلي وواجباته القومية والإنسانية ليثبت مجدداً أنه السد المنيع أمام محاولات الفوضى المنظمة.
هكذا يقف الشرق الأوسط اليوم على حافة مرحلة جديدة تماماً تتشكل ملامحها وسط صراع محاور قاس، فإذا كانت القوى الكبرى تسعى لإعادة هندسة الخريطة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، فإن بقاء الأزمات بلا معالجة حقيقية ينذر بأن المنطقة ستظل رهينة لحالة اللاسلام واللااستقرار، حيث تبقى الكلمة الفصل للدول التي تمتلك الوعي، والصلابة المؤسسية، والقدرة على حماية مصاديق بقائها وسط هذا الزلزال المستمر.