كتب عصام سواقد:
كان الطحين من أهم المؤن السنوية التي يحرص أهل شطنا على تأمينها، فهو المادة الأساسية لقوتهم اليومي، ولذلك كانت رحلة الطحين من المهام السنوية المهمة التي تبدأ بعد انتهاء موسم الحصاد.
فبعد جمع القمح من البيادر، كان يُنقل إلى الكواير ليُخزَّن فيها، ثم تبدأ مرحلة غربلته وتنقيته بعناية من الحصى والتبن والشوائب. وبعد ذلك يُعبّأ في أكياس، ويُجهّز لإرساله إلى المطحنة.
وهنا يأتي دور الرجال، حيث كانوا يحددون يوم الطحين، وغالبًا ما يكون ذلك في فصل الصيف، فيجتمع عدد من رجال القرية للذهاب إلى المطحنة الواقعة في مدينة الحصن.
وكانت الرحلة تبدأ في ساعات الصباح الباكر؛ فيتفقون على التحرك حوالي الساعة الثالثة فجرًا، حيث تُحمَّل أكياس القمح على ظهور الدواب، وتنطلق القافلة من شطنا باتجاه الحصن، والرجال يسيرون على أقدامهم إلى جانب دوابهم.
وكان من الجميل في تلك الرحلات أن الرجال كانوا يحرصون على اصطحابنا نحن الأطفال معهم، ليس فقط لنرافقهم، بل لنساعدهم في بعض المهام؛ فكنا نتابع الدواب وننتبه إليها أثناء الطريق، ونساعد في تحميل الأكياس ومراقبتها، وخصوصًا أثناء وجودنا في المطحنة.
وكنا نشعر وقتها أننا أصبحنا جزءًا من هذه المهمة الكبيرة، فنبقى بالقرب من شوالات القمح ونراقبها ونمسك بها مع الرجال، ونحرص ألا تضيع أو تختلط بغيرها أثناء عملية الطحن. وكانت تلك اللحظات بالنسبة لنا، ونحن أطفال، مغامرة جميلة وممتعة، رغم ما فيها من تعب وانتظار.
ولم تكن رحلة الطحين سهلة، بل كانت مليئة بالمشقة والتعب؛ فالمسافة تُقطع مشيًا على الأقدام، وفي حرّ الصيف، والدواب تحمل أكياس القمح الثقيلة. وكان الرجال يتابعون دوابهم طوال الطريق، حتى يصلوا إلى المطحنة، ثم ينتظرون دورهم حتى يتم طحن القمح، وبعدها تُحمَّل أكياس الطحين على الدواب من جديد، وتبدأ رحلة العودة إلى شطنا.
ورغم كل هذا التعب والمشقة، كان الرجال يقومون بهذه المهمة بروح من التعاون والمحبة، فكانت قوافل الطحين تجمع أكثر من رجل من أهل القرية، ويتساعدون فيما بينهم في تحميل الأكياس وتفريغها، ومرافقة الدواب، وتحمّل عناء الطريق.
وكان ما يحملونه معهم في طريق العودة إلى شطنا أغلى من مجرد أكياس طحين؛ فقد كان يحمل قوت العائلة ومؤونة عام كامل، وثمرة تعب موسم طويل بدأ من حراثة الأرض وزراعتها، ثم الحصاد والدرس والتذرية والتخزين، وانتهى أخيرًا بطحن القمح.
كانت حياة أهل شطنا بسيطة في وسائلها، لكنها لم تكن سهلة؛ فقد كان كل شيء يحتاج إلى جهد وصبر ومشقة وتعب. وكان رغيف الخبز الذي يوضع على مائدة العائلة يحمل وراءه قصة طويلة من الكفاح والعمل.
واليوم، عندما نتذكر تلك الرحلات، ندرك أنها لم تكن مجرد رحلة إلى المطحنة، بل كانت درسًا في المسؤولية والتعاون، وذكرى جميلة جمعت الآباء والأبناء حول لقمة العيش.
وهكذا كانت رحلة الطحين جزءًا من ذاكرة شطنا الجميلة…
رحلة من الأرض إلى البيادر، ومن الكواير إلى المطحنة، ومن المطحنة إلى مائدة العائلة؛ رحلة عنوانها التعب، وقيمتها الصبر، ونهايتها رغيف الخبز.
ودمتم بخير