عند باب الرئيس يبدأ اختبار التحقيق
سمير حمدان - بودابست
16-08-2026 11:47 PM
قد تكون أخطر نتيجة للفساد في فلسطين ليست أن يفلت فاسد من العقاب، بل أن يعجز البريء عن إثبات براءته، فعندما تضعف المؤسسة القادرة على الفصل بين الاتهام والحقيقة، يصبح النفي أقل إقناعًا، والإشاعة منافسًا للدليل، ولهذا تتجاوز تصريحات عزمي الشعيبي، مستشار ائتلاف أمان لشؤون مكافحة الفساد، بشأن تدخلات قال إنها صدرت من داخل مكتب الرئيس محمود عباس، الأشخاص إلى سؤال أخطر، هل يستطيع النظام الفلسطيني التحقيق مع نفسه عندما تقود الأدلة نحو مركز القوة .
ما طرحه الشعيبي يظل اتهامات تحتاج إلى تحقيق مستقل يثبتها أو ينفيها، فقد تحدث عن تدخلات في ملفات وصلت إلى الرقابة والقضاء، وتسويات مالية خارج المسار القانوني، واستخدام مخالفات شركات ورجال أعمال للضغط عليهم، والمفارقة أن قانون مكافحة الفساد الفلسطيني يخضع رئيس الدولة ومستشاريه ورؤساء المؤسسات التابعة للرئاسة لأحكامه، أي أن المشكلة ليست في النص، بل في قدرة المؤسسة على تطبيقه عندما يصبح الملف حساسًا .
قضية تبييض تمور المستوطنات تقدم الاختبار الأوضح، فقد تابع ائتلاف أمان ملف تصدير تمور المستوطنات تحت منشأ فلسطيني، وقدم شكوى إلى هيئة مكافحة الفساد منذ ٢٠٢٠، ثم تحدث عن شبهات تدخل متنفذين والتأثير في التحقيقات، وفي حزيران ٢٠٢٣ استدعت النيابة الشعيبي والمدير التنفيذي لأمان عصام حج حسين إثر شكوى من ديوان الرئاسة بشأن منشورات الائتلاف، وهنا أصبحت القضية أكبر من التمور، ماذا يحدث للتحقيق عندما يصبح مركز السلطة جزءًا من النزاع حول الرقابة .
الأرقام تقول إن البيئة أوسع من ملف واحد، ففي استطلاع أمان لعام ٢٠٢٥ اعتبر ٣٨٪ التعيينات والترقيات المجال الأكثر عرضة للفساد، وقال ٨٦٪ إن الواسطة موجودة في التعيينات الحكومية و٨٨٪ في الوظائف العليا، فيما أقر ٤٢٪ من مراجعي المؤسسات العامة باستخدامها، وهذه ليست شهادة على واقعة محددة، بل خريطة لبيئة تصبح فيها العلاقات منافسًا للكفاءة والقانون .
لكن الأخطر من أرقام الفساد هو ما تقوله أرقام المؤسسات، فتقرير أمان لعام ٢٠٢٥ أثار تأثير السلطة التنفيذية في تعيينات النيابة العامة وانعكاسه على متابعة القضايا الحساسة، وسجل عدم تنفيذ الأجهزة الأمنية ٥٠ حكمًا قضائيًا نهائيًا، كما أن ١٠ مؤسسات فقط من أصل ٤٢ نشرت تقاريرها السنوية، فيما جاءت المؤسسات التابعة للرئاسة بين الأقل شفافية ومساءلة وفق التقرير .
وهنا المفاجأة، أخطر فساد قد لا يحتاج إلى فاسد يصدر الأوامر، يكفي أن يعرف الموظف من يؤثر في تعيينه ومستقبله وأين تقع حدود المسموح، فيبدأ بمراقبة نفسه قبل أن يراقب السلطة، عندها يتحول الخلل من تدخل محتمل إلى حذر مؤسسي، ويصبح القانون قويًا في النص وأضعف كلما اقترب من القمة .
وتكتمل الحلقة بغياب صمام الأمان السياسي، فلا انتخابات رئاسية منذ ٢٠٠٥، ولا تشريعية منذ ٢٠٠٦، وانتخابات ٢٠٢١ أُجلت، ومع غياب مجلس تشريعي فاعل تضعف المساءلة وتتسع مساحة السلطة التنفيذية، ولهذا سيكون اختزال المشكلة في محمود عباس خطأ، فالرئيس يرحل، لكن هندسة السلطة تستطيع البقاء، فيتغير الاسم فوق الباب وتبقى المفاتيح في المكان نفسه .
أمام فلسطين ثلاثة مسارات، استمرار الوضع فتتآكل الثقة حتى تبقى المؤسسات قائمة على الورق وتضعف في وعي الناس، أو ظهور ملف أكبر من قدرة النظام على احتوائه فتتحول أزمة فساد إلى أزمة شرعية، وعندها يصبح كل اتهام جديد في وعي المواطن دليلًا على ما سبقه، حتى قبل إثبات صحته، أو تحويل اللحظة إلى إصلاح حقيقي، بمجلس تشريعي منتخب، وقضاء ونيابة وهيئة مكافحة فساد محصنة في التعيين والتمويل والعزل، وحق نافذ في المعلومات، وحماية المبلغين، ومنع التسويات السرية، وسجل علني للقضايا الكبرى ونتائجها .
والمفارقة أن التحقيق المستقل يحمي الرئيس أيضًا، فإذا كانت الاتهامات باطلة يمنحه براءة أقوى من أي بيان، وإذا ثبتت مخالفات تمنع المحاسبة خطأ الأفراد من التحول إلى سمعة نظام كامل، وفلسطين التي تطالب العالم بألا يكون أحد فوق القانون لا تستطيع أن تطلب لنفسها معيارًا أقل في الداخل، فالاختبار ليس أن يصل الاتهام إلى باب الرئيس، بل أن يصل التحقيق إليه ولا يتوقف، لأن الدولة التي يتوقف فيها القانون عند باب السلطة لا تواجه أزمة فساد فقط، بل أزمة في معنى الدولة نفسها .