facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




فك الارتباط .. بين القرار السياسي و ذاكرة الدستور


عمر سالم خريسات
17-08-2026 03:56 PM

ليس الخلاف حول قرار فك الارتباط بين الضفتين خلافًا على واقعة من الماضي، ولا على حق الشعب الفلسطيني في دولته، بقدر ما هو سؤال أردني خالص يتعلق بسيادة الدستور وحدود القرار، فالعودة إلى الظروف التي سبقت دستور 1952 تكشف أنَّ هذا الدستور لم يصدر في دولة تقف جغرافيتها القانونية عند حدود الضفة الشرقية، بل جاء بعد مسار سياسي ودستوري كامل انتهى إلى وحدة الضفتين وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة على أساسها، فبعد حرب 1948 انتقلت إدارة الضفة الغربية تدريجيًا من الإدارة العسكرية إلى إدارة مدنية مرتبطة بالحكومة الأردنية، ثم جاء مؤتمر أريحا في الأول من كانون الأول 1948 ليطرح مشروع الوحدة، وتبع ذلك موقف رسمي أردني بالمضي في الإجراءات الدستورية اللازمة لتحقيقها، فعُدلت قوانين الانتخاب، وأعيد تشكيل الحكومة والتمثيل النيابي بما يشمل الضفتين، وعليه فإن قراءة قرار فك الارتباط عام 1988 لا تستقيم إذا بدأت من القرار نفسه، بل من الدولة التي كان دستور 1952 ينظمها يوم نفاده، ومن الإقليم الذي كان يدخل آنذاك في مفهوم (مُلك المملكة).

وقد بلغت الوحدة لحظتها الدستورية الفاصلة في 24 نيسان 1950، عندما انعقد مجلس الأمة الجديد ممثلًا للضفتين، وأكد خطاب العرش السامي أن وحدتهما أصبحت (حقيقة قومية وواقعية)، ثم عُرض قرار مجلس الوزراء بشأن الوحدة على مجلس الأمة فوافق عليه بالإجماع، ورُفع إلى الملك فاقترن بالتصديق الملكي في اليوم ذاته، ولم تكن لغة القرار ملتبسة أو مؤقتة، بل نصت على (الوحدة التامة بين ضفتي الأردن الشرقية والغربية واجتماعهما في دولة واحدة هي المملكة الأردنية الهاشمية)على أساس الحكم النيابي الدستوري والمساواة في الحقوق والواجبات، ومن هنا تبرز الطبيعة القانونية الخاصة لذلك القرار؛ فهو لم يصدر عن سلطة إدارية منفردة، وإنما بقانون(حسب المعيار الشكلي) من إرادة الحكومة وموافقة مجلسي الأمة وتصديق الملك، ووفق مبدأ توازي الأشكال والاختصاصات، فإن ما يُنشأ بأداة دستورية مركبة لا يُلغى، من حيث الأصل، بأداة أدنى منها، ولا يمكن اختزاله إلى مجرد موقف سياسي قابل للمحو بقرار سياسي مقابل.

والأهم أن الوحدة سبقت دستور 1952 ولم تلحق به، فبعد قيامها شُكلت لجنة برئاسة إبراهيم هاشم لوضع مشروع دستور جديد للمملكة، ثم عُرض المشروع على مجلسي النواب والأعيان، وأُقر وصادق عليه الملك طلال، وصدر في الأول من كانون الثاني 1952. وهذا التسلسل التاريخي والقانوني بالغ الدلالة؛ فالدستور لم يصدر ثم أضيفت إليه الضفة الغربية لاحقًا، وإنما صدر في دولة كانت الوحدة قد أعادت تشكيل إقليمها وتمثيلها النيابي ومؤسساتها السياسية، وهنا تظهر المادة الأولى من الدستور باعتبارها قلب المسألة، إذ نصت على أن (المملكة الأردنية الهاشمية دولة عربية مستقلة ذات سيادة، ملكها لا يتجزأ ولا ينزل عن شيء منه)، والسؤال هنا ليس لماذا لم يذكر الدستور الضفة الغربية بالاسم، فالدساتير لا تسرد أجزاء الإقليم واحدًا واحدًا، وإنما السؤال: ما الذي كان يشكل (مُلك المملكة) يوم نفاذ الدستور؟ فإذا كانت الضفتان قد أصبحتا قبل ذلك بعامين دولة واحدة، فإن قراءة عبارة (ملكها لا يتجزأ) بمعزل عن هذا الواقع تفصل النص عن الدولة التي صدر ليحكمها.

ومن هنا ينشأ الإشكال الدستوري في قرار فك الارتباط عام 1988، فالقرار يمكن فهمه سياسيًا في سياق صعود الهوية الوطنية الفلسطينية، واعتراف النظام العربي بمنظمة التحرير ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني، والسعي إلى تمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم ،غير أن مشروعية الغاية السياسية لا تحسم وحدها سلامة الأداة الدستورية؛ فالسياسة تجيب عن سؤال: لماذا اتُخذ القرار؟ أما الدستور فيجيب عن سؤال آخر: من يملك اتخاذه، وبأي أداة، وما حدود أثره؟ فإذا كان فك الارتباط قد اقتصر على إنهاء الإدارة الأردنية والروابط القانونية والإدارية مع الضفة الغربية، أمكن مناقشة مشروعيته داخل هذا التكييف. أما إذا استقر أثره على إخراج الضفة نهائيًا من إقليم المملكة الذي كان قائمًا عند صدور دستور 1952، فإن المادة الأولى تصبح حاضرة بقوة، لأن السلطة التنفيذية لا تملك، بقرار سياسي منفرد، تعديل مضمون دستوري أو إعادة تعريف إقليم دولة حصّن دستورها مُلكها من التجزئة والنزول.

ولهذا فإن مرور ما يقارب أربعة عقود على القرار لا يغلق السؤال الدستوري؛ فالاستقرار السياسي شيء، والسلامة الدستورية شيء آخر، والزمن قد يرسخ واقعًا لكنه لا يرفع مرتبة الأداة التي أنشأته، ومن هنا فإن دسترة فك الارتباط لا تعني العودة عنه، ولا إنكار حق الشعب الفلسطيني في دولته، بل تعني تصحيح العلاقة بين الواقع السياسي والبناء الدستوري، فإذا كان قرار 1988قد أصبح خيارًا أردنيًا نهائيًا، فإن تحصينه بنص دستوري واضح يحدد المركز الإقليمي للمملكة، ويؤكد في الوقت ذاته حق الفلسطينيين في دولتهم وسيادتهم على أرضهم، هو الطريق الذي ينهي الجدل من داخل الدستور لا من خارجه ، فالوحدة لم تدخل الدولة بقرار حتى تخرج منها بقرار؛ دخلت عبر مؤسساتها الدستورية، ثم صدر دستور 1952 وهي قائمة و الذي حصّن مُلك المملكة من التجزئة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :