رضوان العتوم .. حين يصبح المحافظ جزءًا من ذاكرة المكان
د. محمد خالد العزام
18-08-2026 07:40 PM
في المدن التي تعبرها السنوات مسرعة، يبقى بعض الرجال أطول عمرًا من مناصبهم؛ لأنهم لا يتركون خلفهم قراراتٍ وأوراقًا فحسب، بل يتركون أثرًا في وجدان الناس وذاكرة المكان. ومن هؤلاء يأتي اسم رضوان بيك العتوم، محافظ إربد السابق، الذي ارتبط اسمه خلال سنوات طويلة بمحافظة إربد، حتى أصبح الحديث عن تجربته الإدارية حديثًا عن مرحلة كاملة من مراحل المحافظة.
لم يكن حضور العتوم في إربد حضور موظف يجلس خلف مكتب وينتظر المعاملات، بل كان أقرب إلى رجل يمشي في شوارع المحافظة باحثًا عن نبضها، ويتابع تفاصيلها من الميدان، ويستمع إلى المواطنين، ويتعامل مع الملفات والقضايا بروح المسؤول الذي يدرك أن المحافظة ليست مبنى حكوميًا، وإنما مجتمع كامل له احتياجاته وتطلعاته وتحدياته. وقد عُرف بقربه من المواطنين، وفتح أبواب المحافظة أمام أصحاب المطالب والشكاوى، ومحاولة معالجة القضايا من خلال الحوار والتنسيق بين الجهات الرسمية والمجتمع المحلي. وقد أشادت مؤسسة إعمار إربد، في حفل تكريمه بعد انتهاء خدمته، بهذا النهج، معتبرة أنه قدم نموذجًا في الحاكمية الإدارية القائمة على المصداقية وبناء الثقة بين المسؤول والمواطن.
ولعل من أبرز الملفات التي طبعت تجربة العتوم في إربد الملف الأمني والاجتماعي، في محافظة واسعة ومتشعبة تتداخل فيها الاعتبارات العشائرية والاجتماعية والأمنية. فالاستقرار لا يصنع بالعصا وحدها، كما أن هيبة الدولة لا تعني إغلاق أبواب الحوار، وإنما تحتاج إلى حكمة في إدارة المواقف، وهدوء في معالجة الأزمات، وقدرة على قراءة المشهد قبل اتخاذ القرار. وفي مثل هذه الملفات لا تكون مهمة المحافظ مجرد إصدار التعليمات، وإنما تهدئة النفوس قبل أن تتسع دائرة الخلاف، وفتح قنوات الحوار قبل أن تصبح الأزمة أكثر تعقيدًا، والحفاظ في الوقت ذاته على هيبة الدولة وسيادة القانون. ومن هنا برز دور العتوم في التعامل مع عدد من القضايا الأمنية والاجتماعية والأحداث الاحتجاجية والملفات العشائرية، إلى جانب إدارته لتحديات جائحة كورونا بالتنسيق مع الجهات المعنية.
إربد، بما تمثله من ثقل سكاني واقتصادي وتعليمي وزراعي وسياحي، تحتاج إلى إدارة لا تنظر إلى الأمن بمعزل عن التنمية، ولا إلى التنمية بمعزل عن الاستقرار. ولذلك امتد دور المحافظ إلى متابعة الملفات الخدمية والتنموية، والتنسيق بين مؤسسات الدولة والمجالس المحلية والفعاليات الشعبية، ومتابعة احتياجات المواطنين في مختلف مناطق المحافظة. وخلال تلك المرحلة شهدت إربد مشاريع وتطورات في قطاعات متعددة، من المياه والطرق والخدمات إلى الشباب والثقافة والسياحة، كما شهد وسط المدينة مراحل من مشاريع التطوير، إلى جانب الاهتمام بالمواقع السياحية والأثرية في أم قيس والحمة والأغوار والكورة وغيرها. وهذه المشاريع بطبيعة الحال هي نتاج عمل مؤسسات الدولة وشركائها، ولا يصح نسبتها إلى المحافظ وحده، إلا أن المحافظ كان أحد أطراف التنسيق والمتابعة على مستوى المحافظة، وهو الدور الذي يجعل موقعه حلقة وصل مهمة بين القرار المركزي واحتياجات الميدان.
واللافت في تجربة رضوان العتوم أن وجوده في محافظة إربد لم يكن قصيرًا أو عابرًا، بل امتد لسنوات طويلة، وهو ما جعل اسمه يرتبط بمرحلة إدارية كاملة. وفي العمل العام، طول المدة وحده لا يكفي لصناعة النجاح، لكن الامتحان الحقيقي لأي مسؤول هو ما يتركه خلفه من انطباع وسيرة وعلاقات مؤسسية ومجتمعية. وقد كشفت مشاهد التكريم التي رافقت انتهاء مهمته عن حجم التقدير الذي حظي به من جانب عدد من الفعاليات والمؤسسات في المحافظة، ومن بينها مؤسسة إعمار إربد وشركة كهرباء إربد، في صورة تؤكد أن الرجل لم يكن مجرد اسم في سجل المحافظين، بل أصبح جزءًا من الذاكرة الإدارية والاجتماعية للمكان.
وفي مطلع شباط 2026 انتهت مرحلة العتوم محافظًا لإربد، ليبدأ فصل آخر من حياته الوظيفية خارج الموقع الذي شغله سنوات طويلة. وقد يكون المنصب قد انتهى، لكن المنصب ليس هو المقياس الوحيد للحضور؛ فهناك مسؤولون تنتهي مهمتهم بمجرد مغادرتهم المكتب، وهناك مسؤولون يغادرون المكتب وتبقى سيرتهم تتردد في المجالس والشارع والمؤسسات. ومن خلال ما نشرته وسائل الإعلام من شهادات وتكريمات، بدا أن العتوم ينتمي إلى الفئة الثانية، تلك التي تركت حضورًا يتجاوز حدود الوظيفة.
لقد كان رضوان العتوم، في تجربته الإربدية، أمام معادلة صعبة: أن يحافظ على الأمن دون أن يغلق أبواب المجتمع، وأن يتعامل مع المواطن باعتباره شريكًا في الاستقرار، وأن يكون حاضرًا في الأزمات، وأن يواكب في الوقت ذاته الملفات التنموية والخدمية. وهذه المعادلة هي التي تجعل تجربة المحافظ تُقرأ من زاوية أوسع من مجرد القرارات الرسمية، لأنها تتعلق بفلسفة الإدارة نفسها: هل يكون المسؤول بعيدًا عن الناس أم قريبًا منهم؟ هل ينتظر المشكلة حتى تصل إلى مكتبه أم يذهب إليها حيث بدأت؟ وهل يرى الأمن إجراءات فقط أم يراه أيضًا ثقةً متبادلة بين الدولة والمجتمع؟
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في نهاية الحديث عن تجربة رضوان العتوم أن المحافظ لا يُقاس فقط بعدد الكتب الرسمية التي وقعها، ولا بعدد الاجتماعات التي ترأسها، وإنما بقدرته على أن يجعل الناس يشعرون أن الدولة موجودة بينهم، تسمعهم وتحاورهم وتحمي مصالحهم وتطبق القانون بعدالة. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربته في إربد بوصفها تجربة مسؤول حاول أن يجعل من موقعه مساحة للتواصل والحوار، لا مجرد مكتب إداري.
وهكذا، عندما تُطوى صفحة رضوان العتوم في سجل محافظي إربد، فإن السؤال الأهم ليس متى بدأ ومتى انتهى، وإنما ماذا ترك؟ ترك تجربة إدارية امتدت لسنوات، وترك علاقات مع مجتمع محلي واسع، وترك شهادات تقدير من مؤسسات وفعاليات، وترك صورة لمسؤول كان حاضرًا في ملفات الأمن والأزمات والتنمية والخدمات.
فالمدن لا تحفظ أسماء مسؤوليها في دفاترها الرسمية فقط؛ إنها تحفظهم في ذاكرتها الشعبية. وبعض الرجال يمرون على المدن مرورًا عابرًا، بينما يترك آخرون ظلالهم على جدرانها وطرقاتها وذاكرة أهلها. وربما لهذا السبب، فإن مغادرة رضوان العتوم لمبنى محافظة إربد لم تكن نهاية الحكاية، بل نهاية فصل منها؛ لأن بعض المسؤولين يغادرون الكرسي، لكن أثرهم لا يغادر المكان.
فالمنصب ينتهي، أما السيرة فتبقى، والأثر وحده هو الذي يملك القدرة على مقاومة النسيان.