facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الضغط الاقتصادي على إيران: من يدفع الثمن ومن يحصد المكاسب؟


د. حمد الكساسبة
20-08-2026 04:13 PM

مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توسيع الضغط الاقتصادي على إيران، وتهديده بعواقب على الدول والجهات التي تمنح طهران شرياناً اقتصادياً، دخلت المواجهة مرحلة مختلفة. فالهدف لم يعد فقط تقليص قدرة إيران على بيع النفط، بل جعل التعامل معها أكثر صعوبة وكلفة على المشتري والناقل والمصرف والوسيط. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: عندما تخسر إيران جزءاً من قيمة تجارتها، من يدفع الثمن فعلياً، ومن يلتقط المكاسب في الطريق؟

تدخل إيران هذه المرحلة وهي تحت ضغط اقتصادي واضح. لكن العقوبات لا تحتاج إلى وقف الصادرات بالكامل حتى تكون مؤثرة. فإذا باعت طهران نفطها بخصم أكبر، وتحملت كلفة أعلى للنقل والتأمين والتمويل والوساطة، فإن جزءاً من قيمة البرميل يتبدد قبل وصول العائد إلى الداخل. ولذلك فإن المقياس الأدق للضغط ليس عدد البراميل التي تغادر إيران، بل صافي القيمة التي تستطيع الاحتفاظ بها من كل برميل.

غير أن الخطر الأبعد قد لا يكون في الإيرادات الحالية بقدر ما هو في الاستثمار المؤجل. تستطيع الدولة التعايش فترةً مع دخل أقل، لكن تأجيل الاستثمار في الحقول والكهرباء والمصانع والتكنولوجيا ورأس المال البشري يترك أثراً يتراكم بصمت. وهنا تظهر مفارقة اقتصاد الصمود: قد يحمي الحاضر، لكنه قد يفعل ذلك على حساب المستقبل. أي إن العقوبات قد لا تُسقط الاقتصاد الإيراني، لكنها تستطيع أن تجعله أقل إنتاجية وأبطأ في خلق الوظائف وأكثر صعوبة في استعادة النمو.

وفي هذه النقطة تتغير قراءة الدور الصيني. فالصين ليست مجرد منفذ ينقذ إيران، بل مشترٍ تزداد قوته كلما تقلصت خيارات البائع. وكلما احتاجت طهران إلى السوق الصينية أكثر، ازدادت قدرة بكين على التفاوض حول السعر وشروط الدفع. ومن هنا قد تجد الصين نفسها في موقع مريح: لا مصلحة لها في انهيار إيران، لكنها أيضاً لا تحتاج إلى تعافيها الكامل. يكفي أن تبقى قادرة على البيع، ولكن بشروط تمنح المشتري الصيني قوة تفاوض أكبر.

وخلف الصين تتشكل شبكة اقتصادية أقل ظهوراً. فروسيا وبعض دول الجوار تساعد في إبقاء قنوات النقل والدفع وإعادة التصدير مفتوحة، لكن ذلك يخلق في الوقت نفسه اقتصاد وساطة كاملاً: شركات شحن، ومخازن، ووسطاء، وقنوات مالية ومسارات بديلة. وهكذا لا تختفي التجارة بقدر ما تصبح أطول وأكثر تعقيداً، وينتقل جزء من أرباحها من المنتج الإيراني إلى من يستطيع تسهيل مرورها. العقوبات، بهذا المعنى، لا تقلص القيمة فقط؛ بل تعيد توزيعها.

لكن أثر المواجهة لا يبقى عند حدود إيران؛ فالاقتصاد الأمريكي نفسه يتأثر عندما تضطرب حركة الطاقة عبر مضيق هرمز وغيره من الممرات البحرية الحيوية، لأن ذلك يرفع أسعار النفط وكلفة الشحن والتأمين، وينتقل سريعاً إلى الوقود والنقل والإنتاج داخل الولايات المتحدة. ومن هناك يمكن أن يعود الضغط على التضخم، ويجعل مهمة الاحتياطي الفيدرالي أكثر صعوبة. وإذا اضطُر الفيدرالي إلى إبقاء الفائدة مرتفعة مدة أطول، تنتقل كلفة المواجهة من سوق الطاقة إلى الائتمان والاستثمار. عندها يصبح الاقتراض أعلى كلفة داخل الولايات المتحدة، ويزداد الضغط على الاقتصادات التي تعتمد على التمويل بالدولار، بما فيها كثير من حلفاء واشنطن والأسواق الناشئة.

وهنا تظهر مفارقة لافتة: قد تنجح واشنطن في جعل تمويل إيران أكثر كلفة، لكنها قد ترفع في الوقت نفسه كلفة التمويل على جزء واسع من الاقتصاد العالمي أيضاً.

وهناك أثر آخر أبطأ، لكنه قد يكون أكثر أهمية على المدى الطويل. فالاستخدام المتكرر للعقوبات الثانوية يزيد الجدوى الاقتصادية أمام الصين وروسيا وإيران لبناء قنوات دفع وتسوية أقل اعتماداً على النظام المالي الأمريكي. وهذا لا يعني نهاية الدولار أو تراجعاً سريعاً للبترودولار، لكنه يعني أن الأدوات التي تمنح واشنطن قوة كبيرة اليوم قد تدفع الآخرين تدريجياً إلى الاستثمار في بدائل تقلل تعرضهم لها غداً.

لهذا تبدو إيران الخاسر الأكبر في المدى القريب، لكنها ليست الطرف الوحيد الذي يدفع الثمن. فهي تخسر جزءاً من الدخل والاستثمار، فيما تكسب الصين قوة تفاوض أكبر، ويحصل الوسطاء على حصة إضافية من التجارة، وتواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها مخاطر طاقة وتضخم وفائدة أعلى. وقد تكون إيران الخاسر الأكبر اليوم، لكن الحساب النهائي لن يتحدد فقط بما خسرته طهران، بل أيضاً بما كسبته الصين، وما انتقل إلى الوسطاء، وما عاد من كلفة المواجهة إلى الاقتصاد الأمريكي والعالمي. ففي الحروب الاقتصادية، لا تختفي القيمة دائماً؛ كثيراً ما تنتقل من طرف إلى آخر.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :