هل تمتلك تركيا قوة ردعٍ نووية؟
داود عمر داود
21-08-2026 11:17 PM
التصعيد الإسرائيلي واستراتيجية "الردع":
في ضوء التصعيد الإسرائيلي بشن غارات جوية على مطار "أبو الظهور" العسكري السوري، القريب من الحدود التركية، أخذت المواجهة العسكرية، بين تركيا وإسرائيل، تقترب يوماً بعد يوم. ورغم التصريحات الأمريكية التي تطالب سوريا بـ "ضبط النفس"، إلا أنه يبدو أن الجانب الأمريكي فقد تأثيره المباشر على الحكومة الإسرائيلية، خاصة بعد الاستقبال المهين الذي لقيه "نتنياهو" أثناء زيارته الأخيرة إلى واشنطن.
التسريب الأمريكي:
وتبع التصعيد الإسرائيلي فوراً استخدام واشنطن لـ "استراتيجية الردع" لثني إسرائيل عن شن حربٍ إقليمية اخرى مع تركيا. فكانت رسالة "الردع" التي وجهتها إلى إسرائيل، عبر الضابط الأمريكي المتقاعد، "أنتوني أغيلار". وقد جاءت الرسالة الأمريكية لإسرائيل على شكل تسريب، أو كشف متعمد، يفيد أن القاعدة الجوية التركية في "انجرليك" تضم قنابل نووية أمريكية من طراز B61، قد تستغلها تركيا إذا اندلعت أزمة بينها وبين إسرائيل. مضيفاً أن تركيا تملك القدرة العسكرية على إسقاط هذه القنابل من طائراتها، ولا تحتاج إلى الشيفرة الأمريكية.
استراتيجية الردع المرعبة:
و"الردع" هو استراتيجية عسكرية تحول دون اندلاع الحروب، تعتمد على تهديد الطرف المعتدي بدمار شامل ومؤكد، باستخدام الأسلحة النووية. ويجعل هذا التهديد كلفة الهجوم أكبر بكثير من أي مكسب محتمل من شن الحرب، الأمر الذي يحافظ على حالة من الاستقرار القائم على الخوف.
إسرائيل تعرف عن المخزون النووي الأمريكي في تركيا، لكن المخيف لإسرائيل هو الكشف أن أنقرة هي التي تسيطر على هذا المخزون النووي الأمريكي بمفردها، وتستطيع استعماله حتى بدون الحاجة إلى الشيفرة الأمريكية.
تأثير استراتيجية الردع:
وهذا بحد ذاته أمرٌ مًرعبٌ لإسرائيل. لأن المعروف، من قبل، أن إطلاق تلك الصواريخ النووية يحتاج إلى شيفرتين معاً، وفي ذات الوقت، الشيفرة الأمريكية والشيفرة التركية. والرسالة الأمريكية الحالية تقول إن تركيا أصبحت تتحكم لوحدها بتلك الخمسين قنبلة النووية الأمريكية في أراضيها.
وسواءٌ كان مضمون الرسالة الأمريكية صحيحاً أم كاذباً، فإن تأثيرها سيكون مخيفاً ومفزعاً للإسرائيليين، ويجعلهم يفكرون مليون مرة قبل التورط في حربٍ شاملة ضد تركيا. وهذه هي "استراتيجية الردع" في السياسة الدولة.
النووي الأمريكي مخزن في تركيا منذ أزمة الصواريخ الكوبية 1962:
النووي الأمريكي مخزنٌ في تركيا منذ 64 عاماً، عندما اندلعت أزمة الصواريخ الكوبية، بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي آنذاك، في شهر أكتوبر 1962. كانت الأزمة عبارة عن مواجهة عسكرية وسياسية، استمرت لأسبوعين، أصبح العالم فيها أقرب ما يكون إلى حرب نووية شاملة.
كانت بداية الأزمة عندما التقطت طائرات التجسس الأمريكية صوراً لمواقع صواريخ نووية سوفياتية قيد الإنشاء في جزيرة كوبا، القريبة من الساحل الأمريكي. وقد جاءت الخطوة السوفياتية، لنشر صواريخ نووية في كوبا، رداً على نشر أمريكا صواريخ مماثلة، في كل من إيطاليا وتركيا، موجهة نحو الاتحاد السوفياتي. حيث قامت الولايات المتحدة بتخزين الـ 50 رأساً نووياً، في الجبال المحيطة بقاعدة "إنجرليك الجوية" بمدينة "أضنة"، وما زالت موجود هناك لغاية الآن.
وقد انتهت أزمة الصواريخ الكوبية بتسوية سلمية سحبت بموجبها موسكو صواريخها من كوبا، مقابل تعهد واشنطن سراً بسحب صواريخها "جوبيتر" من تركيا، وعدم غزو جزيرة كوبا. ويبدو أن واشنطن لم تنفذ تعهدها، وأبقت صواريخها في تركيا لغاية الآن.
الضابط "أنتوني أغيلار":
المقدم الأمريكي المتقاعد، "أنتوني أغيلار"، الذي قام بهذا التسريب، زاد الطين بلة على الإسرائيليين عندما قال أيضاً إنه في حال حدوث أزمة أو خلاف بين أنقرة وواشنطن، فقد تطالب الولايات المتحدة باستعادة هذه القنابل النووية، لكنه زعم أن تركيا قد ترفض ذلك وتتعامل معها باعتبارها أصبحت تحت سيطرتها. وادعى "أغيلار" أن قنابل B61 النووية يمكن استخدامها بواسطة الطائرات، وأن تركيا تمتلك القدرة على تشغيلها واستخدامها دون الحاجة إلى أمريكا. كما ذهب إلى حد القول إنه بإمكان أنقرة استخدام هذه الأسلحة في أي وقت، إذا قررت ذلك.
تركيا أصبحت دولة مواجهة مع إسرائيل:
بعد أن لعبت تركيا دوراً حاسماً، عبر السنين، في معركة تحرير سوريا من نظام الأسد البائد، ومن هيمنة إيران وروسيا على البلاد، شعرت أنقرة بأنها أصبحت جارة لإسرائيل، وأن حدودها انتقلت مسافة 500 كيلومتراً إلى الجنوب، وأنها أصبحت متاخمة لحدود فلسطين المحتلة.
ونظراً للاستفزازت التي قام بها الكيان الصهيوني، بعد تحرير دمشق، تجاه النظام الجديد، قامت تركيا بتوجيه تحذيرات متعددة للعدو الإسرائيلي كي يتوقف عن تلك الاستفزازات، مع تزايد الشعور لدى تركيا وكأنها أصبحت من ضمن دول المواجهة مع إسرائيل. إلا أن حكومة نتنياهو لم تُصغِ للرسائل التركية القوية والمشحونة، وواصلت أعمالها العدوانية في جنوب ووسط سوريا، قبل تصعيدها الأخير بالانتقال إلى استهداف الشمال السوري المتاخم لتركيا.
وهكذا يمكن القول إن تركيا تتحدث الآن بوضوحٍ كامل بأنها أصبحت من ضمن دول المواجهة مع إسرائيل، وأن على حكام الكيان التعايش مع هذه الحقيقة المرة بالنسبة لهم. على أمل أن تغير الرسائل من سلوك العدو الإسرائيلي وإلا فإنه سيواجه ما واجهه نظام بشار.
خلاصة القول: "ما بيجيب الرطل إلا رطلين":
وكما يقول المثل الشعبي في بلاد الشام "ما بجيب الرطل إلا الرطلين"، والمقصود هنا أن الأمر الشديد الأهمية، أو الخصم العنيد، لا يفلح معه إلا ما يزيد عنه قوة وحزماً، فلا يكفي معه الجهد العادي، بل يجب توجيه أقصى طاقة، وتوجيه ضربة قاصمة لحسم الصراع معه.
والمعنى هنا أن القوة والمواجهة تدل على أن لكل مشكلة أو عدو ما يناسبه من قوة حازمة لردعه. مع ضرورة بذل جهد مضاعفٍ وفوق المعتاد، لإنجاز المهمة الصعبة، أو مواجهة التحديات الكبيرة.