facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




البحث عن عقد اجتماعي جديد في عصر الذكاء الاصطناعي


م. سعيد المصري
23-08-2026 08:34 AM

* من اقتصاد التشغيل إلى اقتصاد الإنتاج

لم تعد الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي مجرد مرحلة جديدة من مراحل التطور التكنولوجي، بل تبدو مقدمة لتحول أعمق في طبيعة الاقتصاد نفسه وفي العلاقة التقليدية بين رأس المال والعمل والدولة. فالمعادلة التي حكمت الاقتصادات الحديثة لعقود طويلة قامت، بدرجات متفاوتة، على أن نمو الاستثمار والإنتاج يؤدي إلى توسيع الشركات، ومن ثم إلى خلق المزيد من الوظائف ورفع الدخول وتوسيع الطبقة الوسطى. أما اقتصاد الذكاء الاصطناعي والأتمتة فقد يكون قادراً على تحقيق معدلات مرتفعة من النمو والإنتاجية دون أن يولد بالضرورة فرص العمل بالمعدلات نفسها.

وهنا تكمن القضية الاقتصادية والسياسية الكبرى للمرحلة المقبلة: من سيحصل على ثمار الإنتاجية الهائلة التي ستولدها الرقمنة الذكية؟
الولايات المتحدة واختبار العقد الاجتماعي

تظهر ملامح هذا الصراع بصورة مبكرة في الولايات المتحدة، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من الاختلاف الأوسع بين رؤيتين لمستقبل الاقتصاد الأميركي.

تتبنى إدارة الرئيس دونالد ترامب توجهاً يعطي أولوية واضحة لتسريع الاستثمار والابتكار والمحافظة على التفوق الأميركي في الذكاء الاصطناعي، مع تقليل الأعباء التنظيمية على الشركات. والرهان هنا مفهوم اقتصادياً: إطلاق قدرات رأس المال الأميركي وشركات التكنولوجيا ومراكز البيانات والصناعات المتقدمة لمنافسة الصين والمحافظة على الريادة التكنولوجية العالمية.

لكن الوجه الآخر لهذه المعادلة يتمثل في احتمال زيادة تركّز رأس المال. فالشركات المالكة للنماذج والخوارزميات والبيانات ومراكز الحوسبة ورقائق الذكاء الاصطناعي ستكون صاحبة نصيب كبير من القيمة الاقتصادية الجديدة، بينما تستطيع الأتمتة إحلال التكنولوجيا محل أجزاء متزايدة من العمل البشري، بما في ذلك وظائف مكتبية ومهنية كان الاعتقاد سائداً بأنها أكثر أمناً من الأتمتة.

وفي المقابل، بدأ الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي يطرح سؤالاً مختلفاً: إذا كان الذكاء الاصطناعي سيولد ثروة وإنتاجية غير مسبوقتين، فمن يمتلك هذه الثروة ومن يستفيد منها؟

ولذلك لم تعد اعتراضات شخصيات مثل بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو-كورتيز مقتصرة على السياسات الاجتماعية التقليدية، وإنما امتدت إلى ملكية شركات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وتأثير التكنولوجيا في الوظائف وتوزيع الثروة.

ومع ذلك، قد يكون التحول القادم أكبر من التصورات التقليدية لكل من اليمين واليسار الأميركيين؛ لأن القضية لن تبقى صراعاً تقليدياً بين رأسمالية واشتراكية، وإنما ستصبح مرتبطة بتغير العلاقة نفسها بين النمو والعمل والدخل.

اقتصاد ينمو دون وظائف بالمعدل نفسه

إذا نجحت الأتمتة في رفع إنتاجية العامل والمنشأة بصورة كبيرة، فقد تستطيع الشركة مستقبلاً مضاعفة إنتاجها دون مضاعفة عدد العاملين فيها. وبعض الشركات الجديدة قد تنشأ منذ البداية بهياكل بشرية صغيرة، بينما تتولى الأنظمة الذكية جانباً كبيراً من الإدارة والتحليل والمحاسبة والتسويق وخدمة العملاء والعمليات الفنية.

وهنا ننتقل تدريجياً من اقتصاد التشغيل إلى اقتصاد الإنتاج المكثف.

لا يعني ذلك بالضرورة اختفاء العمل، فالتحولات التكنولوجية تاريخياً ألغت مهناً وخلقت أخرى. ولكن خصوصية المرحلة الحالية تكمن في سرعة التحول واتساع نطاق المهارات التي يمكن للذكاء الاصطناعي التعامل معها، بما فيها المهارات المعرفية.

وقد تظهر لذلك مفارقة جديدة: نمو اقتصادي مرتفع، وأرباح شركات متزايدة، وأسواق مالية قوية، وإيرادات ضريبية أكبر للحكومات، بالتزامن مع نمو أبطأ في عدد الوظائف التقليدية.

وعندها تصبح المشكلة في توزيع ثمار النمو وليس في قدرة الاقتصاد على إنتاج الثروة.

الطبقة الوسطى هي الاختبار الحقيقي

كانت الطبقة الوسطى أحد أهم الأعمدة الاجتماعية للحلم الأميركي. فالعمل والتعليم والقدرة على امتلاك المنزل وتحسين مستوى معيشة الأبناء شكّلت تاريخياً جوهر الوعد الاجتماعي للنظام الاقتصادي الأميركي.

لكن إذا أصبحت ملكية رأس المال والتكنولوجيا أكثر أهمية في تكوين الثروة من الدخل الناتج عن العمل، فقد تتسع المسافة بين من يمتلكون رأس المال ومن يعتمدون أساساً على رواتبهم.

ومن هنا فإن العقد الاجتماعي الأميركي المقبل قد لا يقوم على مقاومة الذكاء الاصطناعي أو تقييد الاستثمار فيه، وإنما على إيجاد معادلة تسمح لرأس المال بالنمو والابتكار، وفي الوقت نفسه تنقل جزءاً من الوفرة الاقتصادية الجديدة إلى المجتمع عبر التعليم وإعادة التأهيل والرعاية الصحية والتأمين ضد البطالة وأنظمة التقاعد وغيرها من مكونات شبكة الأمان الاجتماعي.

وبذلك تصبح العدالة الاجتماعية شرطاً لاستدامة الرأسمالية نفسها، وليست نقيضاً لها.

الأردن أمام التحول نفسه ولكن بأدوات مختلفة

قد تبدو هذه القضية أميركية، لكنها تحمل دلالات مباشرة بالنسبة للأردن. فالاقتصاد الأردني يعاني أصلاً من تحدٍ أكثر صعوبة: معدلات نمو متواضعة يقابلها مستوى مرتفع من البطالة. وتشير بيانات البنك الدولي إلى نمو حقيقي بلغ نحو 2.8 في المئة عام 2025، بينما بقيت تحديات سوق العمل كبيرة.

ومن هنا فإن دخول الأتمتة والذكاء الاصطناعي إلى الاقتصاد الأردني يحمل فرصة ومخاطرة في الوقت نفسه.

الفرصة هي رفع الإنتاجية في الصناعة والخدمات والزراعة والنقل والطاقة والإدارة، وجذب استثمارات تكنولوجية وصناعات مؤتمتة ومراكز بيانات، بما يسمح للأردن بكسر دائرة النمو الاقتصادي المنخفض.

أما المخاطرة فهي أن يرتفع الناتج المحلي والاستثمار دون أن ترتفع فرص العمل بالنسبة نفسها.

وفي سيناريو ناجح للتحول الاقتصادي والتكنولوجي، يمكن تصور انتقال معدلات النمو الأردني مستقبلاً إلى نطاق أعلى قد يصل إلى 5–7 في المئة سنوياً، ومع تراكم هذا النمو يمكن أن يصل حجم الناتج المحلي إلى مستويات تقارب 79–80 مليار دينار. وهذه ليست توقعات حتمية، وإنما تصور لما يمكن أن يتيحه تحول إنتاجي وتكنولوجي ناجح إذا توافرت الاستثمارات والطاقة والبنية الرقمية ورأس المال البشري والسياسات الاقتصادية المناسبة.

لكن الوصول إلى اقتصاد بهذا الحجم لن يحل المشكلة الاجتماعية تلقائياً.

اقتصاد السوق الاجتماعي كهوية اقتصادية للأردن

من هنا أعتقد أن الأردن يحتاج إلى تعريف أكثر وضوحاً لهوية اقتصاده، وأن اقتصاد السوق الاجتماعي يمكن أن يشكل الإطار الأنسب للمرحلة المقبلة.

والمقصود ليس العودة إلى الاقتصاد الموجه أو توسيع ملكية الدولة، وإنما العكس: المحافظة على حرية القطاع الخاص وتشجيع الاستثمار وريادة الأعمال وحماية الملكية والمنافسة، مقابل عقد اجتماعي واضح يضمن ألا تتحول مكاسب التكنولوجيا والإنتاجية إلى مصدر جديد للانقسام الاجتماعي.

ويقتضي ذلك أيضاً أن يكون رأس المال محكوماً بمعايير واضحة من المنافسة والمسؤولية والشفافية، وأن تكون شبكة الأمان الاجتماعي نفسها محكومة بالكفاءة والاستدامة، حتى لا تتحول العدالة الاجتماعية إلى إنفاق مفتوح يضغط على المالية العامة.

ومع اتساع الأتمتة مستقبلاً قد تصبح كلفة منظومة الحماية الاجتماعية الأردنية أكبر بكثير من مستوياتها الحالية، وربما تصل في سيناريوهات بعيدة المدى إلى نطاق 10–15 مليار دينار سنوياً إذا توسعت بصورة شاملة. ولهذا لا ينبغي النظر إلى مثل هذه الأرقام باعتبارها مخصصات يمكن تحميلها للموازنة العامة بصورتها الحالية، بل باعتبارها مؤشراً إلى ضرورة تصميم نموذج تمويل جديد يرتبط بنمو الاقتصاد والإنتاجية والإيرادات الجديدة التي يولدها الاقتصاد الرقمي والمؤتمت.

فالدولة لا تستطيع توزيع ثروة لم ينتجها الاقتصاد أصلاً.

معادلة رأس المال والعدالة

لذلك فإن جوهر اقتصاد السوق الاجتماعي الأردني يجب أن يقوم على معادلة بسيطة ولكن دقيقة: كلما ارتفعت قدرة رأس المال على إنتاج الثروة من خلال التكنولوجيا، ارتفعت بالتوازي قدرة المجتمع على الاستفادة من جزء من هذه الثروة، دون إضعاف قدرة رأس المال نفسه على الاستثمار والتوسع.

وهذا يتطلب من الدولة أن تتجنب خطأين متعاكسين: الأول فرض أعباء مفرطة على القطاع الخاص بما يضعف الاستثمار والابتكار، والثاني ترك التحول التكنولوجي يعمل دون إطار اجتماعي إلى أن تتسع البطالة والفوارق في الدخول بصورة يصعب احتواؤها.

فالقطاع الخاص يجب أن يبقى المحرك الرئيس للإنتاج والاستثمار، بينما تتحول الدولة بصورة أكبر إلى واضع للقواعد، وحارس للمنافسة، ومستثمر في رأس المال البشري، ومدير كفؤ لشبكة الأمان الاجتماعي.

وهذا يعني أيضاً أن التعليم والتدريب المهني وإعادة التأهيل المستمر تصبح جزءاً من السياسة الاقتصادية، لا من السياسة التعليمية وحدها، لأن المواطن الذي يفقد مهنته بفعل التكنولوجيا يجب أن يمتلك طريقاً للعودة إلى النشاط الاقتصادي بدلاً من الانتقال مباشرة إلى الاعتماد الدائم على المساعدة الاجتماعية.

العقد الاجتماعي في عصر الآلة

ربما تكون المسألة التي ستواجه الولايات المتحدة والأردن ومعظم الاقتصادات خلال العقد المقبل واحدة في جوهرها، وإن اختلفت الإمكانات: ماذا يحدث عندما تستطيع الاقتصادات إنتاج المزيد من الثروة باستخدام عدد أقل نسبياً من البشر؟

عندها لن تكون المعركة بين رأس المال والعمل كما عرفها القرن العشرون، ولن يكون الحل في اشتراكية تلغي المبادرة الفردية، ولا في رأسمالية تترك توزيع الثروة لقوى السوق وحدها.

ستكون القضية هي بناء عقد اجتماعي جديد يعترف بأن رأس المال والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أصبحت محركات رئيسية للنمو، ولكنه يعترف في الوقت نفسه بأن استدامة هذا النمو تحتاج إلى مجتمع مستقر وطبقة وسطى قادرة على الاستهلاك والتعليم والعيش الكريم.

وهنا قد تختلف الأدوات بين واشنطن وعمّان، ولكن السؤال سيبقى واحداً: كيف نسمح لرأس المال بأن ينمو بأقصى طاقته، وفي الوقت نفسه نضمن أن تتحول الزيادة في الثروة الوطنية إلى ازدهار اجتماعي أوسع؟

بالنسبة للأردن، قد تكون الإجابة في بناء اقتصاد سوق اجتماعي أردني يحرر الاستثمار ولا يحرر رأس المال من مسؤوليته الاجتماعية، ويوسع شبكة الأمان دون تحويلها إلى عبء غير مستدام، ويستفيد من الذكاء الاصطناعي لرفع الإنتاجية دون أن يترك الإنسان خارج معادلة التنمية.

فالتحدي في عصر الذكاء الاصطناعي لن يكون كيف نمنع الآلة من إنتاج المزيد، وإنما كيف نجعل الوفرة التي تنتجها أساساً لاستقرار المجتمع وعدالته واستدامة اقتصاده.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :