تكشف تجارب دول مختلفة أن الانتقال من الفقر والدمار إلى الازدهار الاقتصادي ليس مستحيلاً، حتى عندما تكون نقطة البداية صعبة.
ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية أعادت بناء صناعتها، واعتمدت على الإنتاجية والتخصص الصناعي والتصدير، فتحولت إلى أحد أكبر الاقتصادات الصناعية في العالم.
اليابان أعادت بناء اقتصادها المدمر بالتركيز على التعليم، والجودة الصناعية، والتكنولوجيا، والتصدير، حتى أصبحت قوة اقتصادية عالمية.
كوريا الجنوبية خرجت من حرب مدمرة واقتصاد فقير، لكنها تبنت التصنيع والتصدير، واستثمرت في التعليم والبنية التحتية، وبنت شركات وطنية قادرة على المنافسة عالمياً.
سنغافورة لم تمتلك موارد طبيعية كبيرة، فاستثمرت في الإنسان، والموانئ والبنية التحتية، وجذبت الشركات العالمية، وحاربت الفساد، وبنت إدارة حكومية عالية الكفاءة، فتحولت إلى مركز عالمي للتجارة والخدمات والصناعة.
الصين منذ إصلاحات 1978، جذبت الاستثمار الأجنبي، وأنشأت المناطق الاقتصادية الخاصة، ووسعت التصنيع والتصدير، ثم انتقلت من تقليد التكنولوجيا إلى تطويرها وامتلاكها.
موريشيوس كانت في ستينيات القرن الماضي من الدول منخفضة الدخل، وكان اقتصادها يعتمد بدرجة كبيرة على قصب السكر، لكنها نجحت في تنويع اقتصادها عبر الصناعة والسياحة والخدمات، لتتحول خلال عقود قليلة إلى اقتصاد متنوع ضمن دول الدخل المتوسط الأعلى.
أما رواندا، فبعد كارثة 1994، استطاعت إعادة بناء مؤسساتها، وتحسين بيئة الأعمال، والاستثمار في البنية التحتية، ودعم وتشجيع القطاع الخاص، ما أسهم في تحقيق نمو اقتصادي لافت في السنوات اللاحقة.
ورغم اختلاف هذه التجارب، واختلاف ثقافات شعوبها وجغرافياتها، فإنها اتفقت على عوامل أساسية صنعت الفارق: الرؤية طويلة المدى، والانضباط، ومكافحة الفساد، وبناء مؤسسات فعالة، والاستثمار في الإنسان والتعليم، وتطوير البنية التحتية، وجذب الاستثمار والتكنولوجيا، ودعم القطاع الخاص، وتشجيع الإنتاج والتصدير، والاستقرار في السياسات الاقتصادية والتشريعات الاستثمارية التي تمنح المستثمر الثقة وتشجعه على ضخ أمواله وتوسيع أعماله.
والأهم أن هذه الدول لم تنتظر أجيالاً حتى تنهض؛ فقد حققت تحولات اقتصادية كبيرة خلال سنوات وعقود قليلة عندما توافرت الإرادة والسياسات الصحيحة. ولذلك، فإن ارتفاع الديون أو صعوبة الظروف لا يعني أن الطريق قد أُغلق أمام الدول النامية. فالوقت ليس متأخراً، والنهضة ممكنة متى بدأت الدولة بإصلاح مؤسساتها، ومحاربة الفساد، والاستثمار في الإنسان، وتحويل الموارد المحدودة إلى إنتاج واستثمار ونمو.
فالتاريخ الاقتصادي يثبت أن الدول لا تنهض لأنها كانت غنية، بل تصبح غنية لأنها قررت أن تنهض.