عماد العزام .. حين تتحول البلدية من إدارة الملفات إلى صناعة التغيير في إربد
د. محمد خالد العزام
24-08-2026 05:30 PM
في المدن العريقة، لا تُقاس قيمة المسؤول بعدد القرارات التي يوقعها، ولا بعدد الاجتماعات التي يحضرها، وإنما بما تتركه خطواته على الأرض من أثر، وبما يراه المواطن بعينيه قبل أن يسمعه في البيانات والتصريحات. ومن هذا الباب يمكن قراءة تجربة رئيس لجنة بلدية إربد الكبرى عماد العزام، الذي دخل إلى موقع المسؤولية في السابع من تموز 2025، حاملاً أمامه مدينة واسعة بثقلها السكاني والتاريخي والخدمي، وملفات تراكمت سنوات طويلة، وفي مقدمتها البنية التحتية والطرق والنظافة وتنظيم المدينة.
ومنذ الأيام الأولى، بدا واضحاً أن العزام يريد أن تكون البلدية أقرب إلى الميدان منها إلى المكاتب؛ فإربد، التي تمتد شوارعها كعروق في جسد المدينة، لا تحتمل أن تبقى بعض طرقها أسيرة الحفر والتشققات، ولا أن تكون البنية التحتية ملفاً مؤجلاً من موسم إلى آخر.
ولعل أبرز ما يلفت في مسيرة لجنة البلدية خلال هذه الفترة هو انتقال ملف الطرق والبنية التحتية من خانة المعالجة الجزئية إلى العمل ضمن خطة أوسع. فقد أعلنت البلدية تخصيص 5.5 ملايين دينار من موازنتها الذاتية لمشاريع البنية التحتية وتحسين الخدمات، منها نحو 2.5 مليون دينار لعطاءات تعبيد الطرق بالخلطة الإسفلتية الساخنة، ومليون دينار لفتح وتعبيد الطرق، ومليون دينار تقريباً لإنشاء خطوط تصريف مياه الأمطار، إلى جانب صيانة الأرصفة والحفريات والجدران الاستنادية والحدائق.
وهنا تظهر الإدارة عندما تخرج من الورق إلى الشارع؛ فالإسفلت ليس مجرد طبقة سوداء تُفرش فوق الطريق، وإنما هو شريان جديد يعيد للمدينة نبضها، ويمنح السائقين راحة، والمشاة أماناً، والمحال التجارية حركة أكثر انسياباً.
ومن المشاريع التي برزت خلال عهد اللجنة أعمال تأهيل وتعبيد عدد من الشوارع الحيوية، ومنها شارع فوزي الملقي المعروف بشارع الدفاع، في المنطقة الممتدة بين ميدان الملقي وتقاطع الشارع مع شارع الأمير حسن، إلى جانب العمل على شارع الدكتور عارف البطاينة، حيث بدأت مراحل فرش طبقات الـ«بيس كورس» تمهيداً للتعبيد بالخلطة الإسفلتية الساخنة. وهي أعمال استهدفت شوارع رئيسية وحيوية لم تشهد تأهيلاً وصيانة بالشكل المطلوب منذ سنوات.
ولم يتوقف الأمر عند الشوارع الرئيسية؛ فقد شملت الخطة مناطق متعددة داخل حدود بلدية إربد الكبرى، من بينها حوارة وبيت راس وبشرى وحي دابوليا، مع طرح مشاريع لإعادة تأهيل عدد من المداخل والشوارع، إلى جانب شارع فلسطين وأجزاء من شارع الرشيد وشارع الملك فيصل الثاني، فضلاً عن متابعة خطوط تصريف مياه الأمطار.
وهذه نقطة تستحق التوقف عندها؛ لأن البنية التحتية الناجحة لا تبدأ من الإسفلت وتنتهي عنده. فالطريق الذي لا يملك تصريفاً جيداً لمياه الأمطار يظل ناقصاً، والمشروع الذي لا يعالج المناهل والحفريات والأرصفة يظل كمن يضع ثوباً جديداً على جسد لم يُعالج ألمه.
ومن هنا جاءت أعمال إنشاء خطوط تصريف مياه الأمطار وصيانة المناهل ورفعها إلى مناسيب الشوارع ضمن الملفات التي ركزت عليها البلدية. وفي آب 2026، أكدت البلدية أن تحسين البنية التحتية توسع ليشمل تعبيد الطرق، وإنشاء خطوط التصريف، وصيانة المناهل، في إطار خطة خدمية تستهدف رفع مستوى الخدمات في مختلف مناطق المدينة.
كما أن العزام لم يتعامل مع الطريق باعتباره مجرد مشروع هندسي، بل بوصفه جزءاً من منظومة السلامة المرورية. ففي نيسان 2026 بدأت البلدية حملة لمعالجة الحفر والتشققات وإعادة تعبيدها، مع إعطاء الأولوية للشوارع الرئيسية والفرعية ذات الكثافة المرورية العالية، والاستجابة للملاحظات والشكاوى الواردة من المواطنين.
وهذا النوع من الإدارة يشبه إعادة ترتيب أحجار البناء قبل تشييد البيت؛ فحين تتسع مساحة الإنفاق الرأسمالي، يصبح بالإمكان تحويل جزء أكبر من موارد البلدية إلى مشاريع يلمس المواطن نتائجها في الشارع والحي والحديقة والمرفق العام.
لكن تجربة عماد العزام لا تقف عند حدود الإسفلت والحفريات؛ فهناك محاولة لإعادة صياغة علاقة إربد بذاكرتها ومركزها التاريخي. فقد تابعت البلدية مشروع إحياء وسط المدينة وظهر التل، بما يشمل تطوير درج البلدية، وترميم مبنى البلدية القديم الذي يعود إلى عام 1881، وإنشاء متنزه عام على ظهر التل، والعمل على ربط المواقع التراثية ضمن مسار واحد. كما رُصدت ثلاثة ملايين دينار لاستملاك مواقع تراثية وأراضٍ في منطقة التل.
وهنا تكتسب التجربة بعداً آخر؛ فإربد ليست فقط مدينة تحتاج إلى شارع معبّد، وإنما مدينة تحتاج أيضاً إلى أن تستعيد ذاكرتها. فالأمم التي تطور طرقها وتحافظ على تراثها في الوقت نفسه، هي التي تعرف أن المستقبل لا يعني أن ندير ظهورنا للماضي، وإنما أن نحمل الماضي معنا إلى المستقبل.
ولم يغفل العزام عن الملفات الاقتصادية والخدمية الأخرى؛ فقد ظهرت خلال الفترة الماضية مشاريع وملفات تتعلق بالسوق المركزي وسوق حسبة الأفراح، إلى جانب مشروع تطوير وسط المدينة وظهر التل، كما جرى تعزيز التعاون مع جهات بلدية أخرى للاستفادة من الخبرات وتبادل التجارب في مجالات التنمية الحضرية والخدمات.
وفي حوارة أيضاً، طُرح مشروع لإنشاء مركز تدريب مهني تقني حديث على قطعة أرض مساحتها عشرة دونمات وبكلفة تقديرية تبلغ عشرة ملايين دينار، فيما استعرض العزام الأعمال التي أنجزتها لجنة البلدية في المنطقة، خصوصاً في مجال تحسين البنية التحتية.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في تجربة عماد العزام أن العمل البلدي لا ينبغي أن يكون موسماً من الوعود، بل سلسلة متصلة من الأفعال. فالمدينة لا تصفق للقرار، وإنما تصفق عندما ترى الطريق وقد استقام، والحفرة وقد اختفت، والممر وقد أصبح أكثر أمناً، والحديقة وقد استعادت خضرتها، والمبنى التراثي وقد عاد ينبض بالحياة.
إربد اليوم أمام ورشة واسعة؛ ورشة لا تكتمل في أشهر، ولا تُقاس نتائجها بمشروع واحد أو شارع واحد. لكن ما ظهر خلال فترة لجنة العزام من تركيز على البنية التحتية، وتعبيد الطرق، وتصريف مياه الأمطار، وإعادة تأهيل الشوارع، وتحسين الإدارة المالية، وإحياء وسط المدينة وظهر التل، يعطي صورة عن محاولة نقل العمل البلدي من ردّ الفعل إلى التخطيط والعمل وفق الأولويات.
وفي النهاية، يبقى الحكم الحقيقي للمواطن وللأرض. فالمسؤول يغادر مكتبه يوماً، لكن الطريق الذي عبّده يبقى شاهداً، والحديقة التي أنشأها تبقى تتنفس، والمبنى الذي رممه يبقى يحكي، والخدمة التي حسّنها تبقى في ذاكرة الناس.
وهكذا، فإن تجربة عماد العزام في بلدية إربد الكبرى يمكن النظر إليها بوصفها محاولة لكتابة فصل جديد في دفتر المدينة؛ فصل عنوانه أن البلدية ليست جباية فقط، ولا مكاتب ومعاملات، بل يدٌ تبني، وعينٌ تراقب، وعقلٌ يخطط، وقلبٌ يسمع نبض الناس.
وإذا كان الطريق هو مرآة المدن، فإن إربد بدأت، خلال هذه المرحلة، في إعادة تلميع مرآتها؛ شارعاً بعد شارع، وحياً بعد حي، ومشروعاً بعد مشروع، على أمل أن ترى في نهايته مدينة أكثر جمالاً، وأكثر تنظيماً، وأكثر قدرة على مواجهة المستقبل.