ما بعد بكين: من فجوة التجارة إلى شراكة إنتاجية مع الصين
د. حمد الكساسبة
24-08-2026 06:49 PM
ما خرجت به مباحثات جلالة الملك عبدالله الثاني والرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين يفتح أمام الأردن فرصة اقتصادية تتجاوز توقيع اتفاقيات ومذكرات تعاون جديدة. فالمجالات التي شملها التعاون تمتد من الصناعة وسلاسل التوريد والطاقة والمعادن إلى التجارة الإلكترونية والاقتصاد الرقمي والزراعة والسياحة والطيران والعلوم والتكنولوجيا. لكن القيمة الاقتصادية الحقيقية لن تُقاس بعدد الاتفاقيات، بل بقدرة الأردن على تحويل ما فتحته الدبلوماسية الملكية من فرص إلى استثمارات وإنتاج وصادرات ووظائف ومعرفة جديدة داخل الاقتصاد الوطني.
وتتضح أهمية هذه الفرصة عند النظر إلى نقطة البداية. ففي عام 2025 بلغت الصادرات الصينية إلى الأردن نحو 6.29 مليارات دولار، مقابل نحو 430 مليون دولار من الصادرات الأردنية إلى الصين، ما يعكس علاقة اقتصادية كبيرة لكنها ما تزال شديدة الاختلال. وإذا اعتبرنا 2026 سنة أساس، مع نمو متوقع بنحو 2.7% واستثمار أجنبي مباشر يقارب 3.1% من الناتج، فإن التحدي لا يكمن في توسيع التجارة مع الصين فحسب، بل في تغيير تركيبها بحيث تصبح الصين أيضاً مصدراً للاستثمار المنتج والتكنولوجيا، وسوقاً أوسع للمنتجات الأردنية.
وهنا يبدأ التحدي التنفيذي أمام الحكومة. فكل اتفاق يحتاج إلى مسار واضح يحوله إلى مشروع أو نتيجة قابلة للقياس: قيمة استثمارية، وجدول زمني، ووظائف أردنية، ومشتريات محلية، وصادرات مستهدفة، وبرامج لنقل التكنولوجيا. والأفضل تركيز الجهد على القطاعات التي يستطيع الأردن بناء قيمة مضافة حقيقية فيها، ومنها التعدين والصناعات المرتبطة بالفوسفات والبوتاس، والأدوية والصناعات الغذائية والهندسية، والطاقة والتخزين، والتكنولوجيا والخدمات الرقمية واللوجستية. فالفرق كبير بين رأس مال يدخل الاقتصاد، واستثمار يرفع قدرته الإنتاجية لسنوات مقبلة.
وتضيف الاتفاقيات الجديدة مسارات أخرى لا تقل أهمية. فالتعاون في الزراعة ومتطلبات الحجر الصحي النباتي والحيواني يمكن، إذا استُكملت الإجراءات الفنية والتسويقية، أن يوسع دخول المنتجات الزراعية والغذائية الأردنية إلى السوق الصينية. كما تمنح التجارة الإلكترونية الشركات الأردنية الصغيرة والمتوسطة منفذاً أقل كلفة إلى سوق واسعة. وفي الوقت نفسه، فإن التعاون العلمي والتكنولوجي، إلى جانب 800 فرصة تدريبية أُعلن عنها للكوادر الحكومية الأردنية خلال 2026، يعني أن العائد المحتمل لا يقتصر على رأس المال، بل يمتد إلى المعرفة والمهارات والقدرة المؤسسية؛ وهي مكاسب يصعب قياسها فوراً لكنها ترفع الإنتاجية على المدى الأطول.
أما الميزان التجاري، فسيكون الاختبار الأكثر تعقيداً. ففي السنوات الأولى قد تؤدي الاستثمارات الصينية الجديدة إلى ارتفاع الواردات من الآلات والمعدات والتكنولوجيا، وبالتالي إلى اتساع العجز مؤقتاً. لكن ذلك لا يكون سلبياً بالضرورة إذا تحولت هذه الواردات لاحقاً إلى مصانع وإنتاج وصادرات. ولذلك فإن المعيار الصحيح ليس حجم الاستيراد في السنة الأولى، بل ما إذا كانت الشركات الصينية ستنتج في الأردن، وتشتري من السوق المحلية، وتحل منتجاتها محل جزء من المستوردات، وتستخدم المملكة منصة للتصدير إلى أسواق ثالثة مستفيدة من اتفاقيات الأردن التجارية.
وتفتح السياحة والخدمات مساراً أسرع للعائد الاقتصادي. فقد بلغ الدخل السياحي للأردن 4.418 مليارات دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، فيما يمكن لتعزيز الربط الجوي والترويج السياحي المشترك أن يمنح السوق الصينية وزناً أكبر. فزيادة السياح الصينيين وسياحة الأعمال والشحن الجوي تعني تدفقات إضافية من العملات الأجنبية، وتحسناً في ميزان الخدمات، ودعماً للحساب الجاري في ميزان المدفوعات. ولذلك لا ينبغي قياس النجاح بعدد المسافرين فقط، بل بصافي الدخل السياحي، ومتوسط إنفاق الزائر، ومدة الإقامة، وحجم الأعمال والخدمات التي يولدها الربط الجديد.
وانطلاقاً من 2026، يمكن بناء سيناريو للقياس حتى 2030. فإذا نجح الأردن في جذب استثمارات صينية إنتاجية إضافية تراكمية بحدود 1.3–1.8 مليار دينار، مع محتوى محلي وتصديري جيد، فقد تضيف هذه الاستثمارات، عند اكتمال تشغيل المشروعات، بضعة أعشار من نقطة مئوية إلى النمو السنوي مقارنة بالمسار الأساسي، وتدفع الاستثمار الأجنبي المباشر تدريجياً باتجاه 4% من الناتج، مع أثر إيجابي على التشغيل والصادرات وتدفقات العملات الأجنبية. وهذه ليست توقعات رسمية، بل سيناريو تحليلي يوضح أن حجم المكاسب سيعتمد قبل كل شيء على نوعية الاستثمار، والقيمة المضافة المحلية، وسرعة التنفيذ.
وهنا تظهر الرسالة الأهم. فقد فتحت علاقات جلالة الملك الخارجية مساحة اقتصادية جديدة أمام الأردن، لكن تعظيم العائد منها يشكل اختباراً تنفيذياً أمام الحكومة ومؤسساتها. والمطلوب هو تقليص المسافة بين الفرصة السياسية والنتيجة الاقتصادية، بحيث يُقاس النجاح في 2030 بحجم الاستثمار المنفذ، والوظائف الأردنية، والقيمة المضافة المحلية، والصادرات الجديدة، والدخل السياحي، وصافي تدفقات العملات الأجنبية. وفي نهاية المطاف، لن يكون السؤال كم اتفاقية وُقعت في بكين، بل هل أصبحت الصين شريكاً فيما ينتجه الأردن ويصدره، لا مجرد مصدر رئيسي لما يستهلكه. عندها فقط تتحول الشراكة الاستراتيجية إلى رافعة حقيقية للنمو والتشغيل وتعزيز الميزان الخارجي.