المسؤول السابق بين خبرة المنصب وشرف خدمة الناس
كامل الروضان
25-08-2026 11:32 PM
بين الحين والآخر، تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي انتقادات لمسؤولين سابقين، ولا سيما رؤساء الوزراء والوزراء وكبار المتقاعدين في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، لمجرد أنهم أصبحوا يترأسون جاهات للزواج أو الصلح، وكأن ترؤسهم لهذه الجاهات ينتقص من مكانتهم أو يعني أنهم ابتعدوا عن الشأن العام ولم يعد لهم حضور أو قيمة في القضايا المحلية والإقليمية والدولية.
وهنا أعتقد أننا بحاجة إلى قدر أكبر من الإنصاف. فالمسؤول عندما يغادر موقعه لا يغادر معه رصيده من الخبرة والمعرفة والتجربة، لكنه في الوقت نفسه لا يبقى مسؤولًا عن إدارة الشأن الذي كان يتولاه بعد مغادرته منصبه. لكل مرحلة مسؤولوها، ولكل حكومة أدواتها وأولوياتها وظروفها، ولذلك ليس مطلوبًا من المسؤول السابق أن يتصرف وكأنه ما زال في موقعه.
فرئيس الوزراء الحالي لديه فريقه من الوزراء والمستشارين والخبراء، ومؤسسات الدولة التي تمتلك خبرات متراكمة، وهو المسؤول عن إدارة المرحلة التي يعيشها الأردن اليوم.
أما رئيس الوزراء أو الوزير السابق، فتظل تجربته جزءًا من الرصيد الوطني، ويمكن الاستفادة منها عندما تدعو الحاجة، دون أن يعني ذلك أن عليه أن يتدخل في كل شأن أو أن يظل حاضرًا في كل نقاش.
والأمر نفسه ينطبق على القيادات العسكرية والأمنية بعد التقاعد. فالتأهيل في مؤسسات الدولة ليس معرفة فردية تنتهي بانتهاء الوظيفة، بل هو تراكم مؤسسي تنتقل فيه الخبرات من جيل إلى آخر، وتبقى تجربة من سبقوا جزءًا من المعرفة التي تستفيد منها المؤسسات.
أما ترؤس المسؤول السابق جاهة للزواج أو الصلح، فلا أرى فيه ما يستدعي السخرية أو الانتقاص. فالجاهة للزواج، والصلح بين الناس، وإصلاح ذات البين، والمساهمة في حل الخلافات، أدوار إنسانية واجتماعية محترمة. بل إن خدمة الناس في مثل هذه المواقف قد تكون من أصدق صور المسؤولية الاجتماعية، ولا تنتقص بأي شكل من تاريخ الرجل أو المناصب التي شغلها.
والأهم من ذلك أن جلالة الملك عبد الله الثاني يدرك قيمة الخبرة المتراكمة، فهو يلتقي بالمسؤولين السابقين والحاليين، ورؤساء الوزراء والوزراء، والمتقاعدين من القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ويستمع إلى آرائهم وتجاربهم وملاحظاتهم. وهذه اللقاءات تؤكد أن مغادرة المسؤول لموقعه لا تعني انتهاء دوره أو فقدان قيمة تجربته.
ومن هنا يأتي دور الديوان الملكي الهاشمي في متابعة ما يطرح أمام جلالة الملك من ملاحظات وقضايا، وتحويل ما يستدعي المتابعة منها إلى إجراءات عملية على أرض الواقع. فهذه المتابعة تمثل امتدادًا طبيعيًا للاستماع إلى أصحاب الخبرة والمواطنين، وتؤكد أن الدولة لا تنظر إلى خبرات أبنائها باعتبارها تنتهي بانتهاء المناصب، بل يمكن أن تستفيد منها في كل مرحلة وبالطريقة التي تقتضيها المصلحة الوطنية.
لذلك، فإن تقييم المسؤول السابق يجب ألا يكون من خلال الموقع الذي اختار أن يخدم فيه بعد مغادرته منصبه، ولا من خلال كونه يترأس جاهة للزواج أو الصلح. فالمناصب تتغير، والمواقع تتبدل، لكن الخبرة تبقى، وخدمة الناس شرف لا ينتقص من صاحبها. فالمسؤول السابق لا يفقد قيمته بخروجه من المنصب، وإنما تظل قيمته فيما يحمله من خبرة وما يقدمه لوطنه ومجتمعه.