facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تتولى الخوارزمية مهمة الإقناع: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل التسويق الرقمي في السوق الأردني؟


د. طارق مسلم
25-08-2026 11:51 PM

لم يعد المستهلك يدخل السوق اليوم بالسؤال القديم: ماذا أشتري؟ ففي كثير من الأحيان يسبقه سؤال أكثر قسوة: هل أشتري أصلًا؟

في عالم تتقلب فيه أسعار الطاقة والنقل، وتضغط فيه الأزمات الجيوسياسية على سلاسل الإمداد، وترتفع فيه كلف الشحن والتأمين، لم يعد قرار الشراء بسيطًا كما كان.

الأسرة تعيد ترتيب أولوياتها، وصاحب المشروع يحسب التكلفة أكثر من مرة، ومدير التسويق مطالب بأن يحقق نتائج أفضل في سوق لا يمنحه بالضرورة ميزانية أكبر.

وفي الجهة الأخرى من المشهد تقف الخوارزمية. تعرف ما الذي بحث عنه المستهلك، وما الإعلان الذي توقف عنده، وما المنتج الذي قارنه، وما الذي تجاهله، وربما تستطيع أن تتوقع ما الذي قد يثير اهتمامه قبل أن يصرح به.

وهنا تظهر مفارقة عصرنا: المستهلك أصبح أكثر حذرًا في إنفاقه، بينما أصبحت الخوارزمية أكثر قدرة على فهم سلوكه.

العالم يضغط… والسوق يعيد حساباته

يعيش الاقتصاد العالمي مرحلة ثقيلة بالتقلبات. فالصراعات والتوترات الجيوسياسية واضطرابات الطاقة وحركة التجارة الدولية ما تزال تلقي بظلالها على الاقتصادات والأسواق، والأردن ليس بعيدًا عن هذه الصورة.

وقد أشار صندوق النقد الدولي في حزيران 2026 إلى أن الأردن حافظ على استقراره الاقتصادي الكلي رغم تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، في الوقت الذي انعكست فيه الاضطرابات على أسواق الطاقة والسياحة وكلف الشحن. وتشير توقعاته إلى نمو الاقتصاد الأردني بنحو 2.7% خلال عام 2026.

وفي الوقت نفسه، تظهر البيانات المنشورة للبنك المركزي الأردني أن الاقتصاد حقق نموًا حقيقيًا بلغ 2.93% خلال الربع الأول من عام 2026.

لكن الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة بالنسبة للسوق.

فالرسالة التسويقية الأهم هي أن المنافسة على دخل المستهلك أصبحت أكثر شدة. ولهذا لم يعد السؤال أمام الشركة الأردنية: كيف أجعل الناس يرون إعلاني؟

السؤال الأهم أصبح: لماذا سيختارونني أنا، عندما أصبح كل دينار أكثر أهمية؟

المستهلك الأردني تغيّر… ومن لا يراه يخسره

المستهلك الأردني اليوم أسرع في المقارنة، وأكثر حذرًا في اتخاذ القرار، وأبطأ في منح ثقته.

يستطيع خلال دقائق أن يقارن الأسعار، ويقرأ تقييمات المستخدمين، ويشاهد البدائل، ويسأل الآخرين، ثم ينتقل من متجر إلى آخر من هاتفه دون أن يتحدث إلى موظف واحد.

والأهم أن هذا المستهلك لا يقارن الشركة الأردنية بشركة أردنية فقط. فعلى الشاشة نفسها يرى تجربة متجر عالمي، وخدمة منصة إقليمية، وإعلان شركة محلية. وهكذا ارتفع معيار توقعاته، حتى وإن لم ترتفع قدرته الشرائية بالوتيرة نفسها.

ويزداد هذا التحول وضوحًا مع جيل Z، الذي نشأ مع الإنترنت والهواتف الذكية، وأصبح سريعًا في البحث والمقارنة، ويمنح التجربة الرقمية والتقييمات وسهولة الوصول إلى المعلومة وزنًا واضحًا في قراره. بالنسبة إليه، لا يوجد فصل حقيقي بين السوق التقليدي والسوق الرقمي؛ فكلاهما جزء من تجربة واحدة.

أما جيل ألفا، الذي ينشأ أصلًا في بيئة أكثر التصاقًا بالذكاء الاصطناعي والخوارزميات والمحتوى التفاعلي والتخصيص، فمن المتوقع أن يدخل السوق مستقبلًا بتوقعات أعلى تجاه السرعة وسهولة التجربة وقدرة العلامة التجارية على فهم احتياجاته.

لكن هذين الجيلين لا يمثلان مستهلكي الحاضر والمستقبل فقط؛ فهما أيضًا جزء من قوة العمل الجديدة، ومن بينهما سيخرج رواد الأعمال وصناع المحتوى ومديرو التسويق وأصحاب المشاريع في السنوات المقبلة. ولذلك فإن تطوير مهارات الشباب في الذكاء الاصطناعي والتسويق الرقمي لم يعد قضية تعليمية منفصلة عن الاقتصاد، بل أصبح مرتبطًا بالجاهزية لسوق العمل، وريادة الأعمال، وقدرة الشركات الأردنية على المنافسة.

وهنا تظهر فجوة لا ينبغي تجاهلها: بعض الشركات ما تزال تفكر بعقلية «الإعلان للجميع»، بينما أصبح المستهلك أكثر فردية في قراره وأكثر تطلبًا في تجربته.

الخوارزمية تعرف الكثير… لكنها لا تضع مالًا في جيب العميل

دخل الذكاء الاصطناعي إلى التسويق بقوة، لكنه لا ينبغي أن يُقدَّم للشركات بوصفه المنقذ لكل المشكلات.

فالخوارزمية تستطيع تحليل السلوك، واقتراح عرض، وتحديد توقيت الرسالة، والمساعدة في معرفة العملاء الأقرب إلى الشراء.

لكنها لا تستطيع أن تضع مالًا إضافيًا في جيب المستهلك.

إذا كان السعر أعلى من قدرته، فلن يحل ذلك إعلان أكثر ذكاءً. وإذا كانت الخدمة سيئة، فلن تنقذها عشرات المنشورات التي صاغها الذكاء الاصطناعي. وإذا كانت الشركة لا تقدم قيمة حقيقية، فلن تصنع الخوارزمية ولاءً من فراغ.

من هنا تصبح قيمة الذكاء الاصطناعي الحقيقية في أن يساعد الشركة على الفهم لا على زيادة الضجيج؛ أن تعرف أين تفقد العميل، ولماذا يتراجع، وما الذي يدفعه إلى العودة، وأي العملاء أكثر قيمة، وأين تذهب الميزانية التسويقية دون عائد حقيقي.

وفي اقتصاد تكون فيه الموارد محدودة، فإن الدينار الذي تتوقف الشركة عن هدره قد يكون بأهمية الدينار الجديد الذي تحققه من المبيعات.

من البيانات إلى القرار

في السابق كان البائع ينتظر الحديث مع العميل حتى يكتشف احتياجاته. أما اليوم، فقد تكون البيانات قد قالت جزءًا من القصة قبل أن يبدأ الحوار.

المتجر يعرف المنتجات التي شاهدها العميل ولم يشترها. والمطعم يعرف نمط الطلب وتكراره. وشركة السياحة تستطيع قراءة اتجاهات اهتمام المسافرين. والمؤسسة الخدمية لديها سجل طويل من الأسئلة والشكاوى والتفاعلات.

لذلك لم يعد السؤال الحقيقي: هل لدينا بيانات؟

بل: هل نفهم ما الذي تقوله هذه البيانات؟

وهنا تكمن المسافة بين شركة تستخدم الذكاء الاصطناعي لتكتب منشورًا أسرع، وشركة تستخدمه لاتخاذ قرار أفضل.

الأردن لا يحتاج ضجيجًا تقنيًا… بل قيمة اقتصادية

الأردن ليس غائبًا عن هذا التحول. فقد أقرت الحكومة الاستراتيجية الأردنية للذكاء الاصطناعي والخطة التنفيذية 2023–2027، التي تتضمن خمسة أهداف رئيسية، وخطة تنفيذية تضم 68 مشروعًا ومبادرة، وتركز، من بين أهدافها، على بناء القدرات وتطوير المهارات، وتشجيع البحث والتطوير، وتعزيز الاستثمار وريادة الأعمال، وتوفير بيئة تشريعية وتنظيمية داعمة، وتطبيق أدوات الذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة القطاع العام والقطاعات ذات الأولوية.

وهذا توجه مهم، لكن النجاح الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يُقاس بعدد المؤسسات التي تضع عبارة «الذكاء الاصطناعي» في خططها أو منشوراتها.

السؤال الحقيقي هو: ماذا تغير في الأداء والقرار؟

هل انخفض الهدر؟ هل تحسنت الخدمة؟ هل أصبحت المؤسسة أسرع في الاستجابة؟ هل احتفظت بعملائها؟ وهل اتخذت قرارًا تسويقيًا أفضل؟

صاحب المطعم لا يحتاج إلى محاضرة عن الخوارزميات؛ يحتاج أن يعرف لماذا انخفضت طلباته. وصاحب المتجر لا يحتاج إلى عشر أدوات جديدة؛ يحتاج أن يعرف لماذا يصل العميل إلى مرحلة الدفع ثم ينسحب. ومدير التسويق لا يحتاج إلى مزيد من المحتوى بقدر حاجته إلى معرفة أي جزء من ميزانيته يذهب بلا عائد.

هنا فقط ينتقل الذكاء الاصطناعي من موضة تقنية إلى قيمة اقتصادية.

ومن هنا أيضًا يظهر دور أوسع لصانع القرار ومؤسسات القطاع الخاص والجامعات وغرف الصناعة والتجارة ومؤسسات دعم الريادة. فإذا أردنا للشركات الصغيرة والمتوسطة أن تستفيد فعليًا من هذه التحولات، فلا يكفي أن نقول لها: «تحولوا رقميًا». المطلوب هو بناء مهارات عملية، ونشر المعرفة الرقمية، ومساعدة المشاريع على الوصول إلى الأدوات المناسبة واستخدامها بما يتناسب مع حجمها واحتياجاتها.

فالغاية ليست أن تمتلك كل شركة أحدث تقنية، بل أن تتمكن من استخدام ما يناسبها لتحسين الإنتاجية، وخفض الهدر، وفهم السوق، والوصول إلى العميل بصورة أفضل.
ليست كل مشكلة في المبيعات بحاجة إلى إعلان جديد من الأخطاء التي تقع فيها بعض الشركات أن يكون أول رد فعل عند تراجع المبيعات هو زيادة الإعلان.

لكن المشكلة قد لا تكون في الإعلان أصلًا.

قد تكون في السعر، أو الخدمة، أو تجربة العميل، أو جودة المنتج، أو التوصيل، أو الثقة، أو ببساطة في تغير أولويات الناس تحت ضغط الظروف الاقتصادية.

وأحيانًا تحتاج الشركة إلى أن تستمع إلى السوق أكثر مما تحتاج إلى أن تصرخ فيه.

وهذا ربما من أهم الأدوار التي يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقدمها: ليس أن يجعل الشركة تتحدث أكثر، بل أن يساعدها على أن تفهم أكثر.

ففي سوق أصبحت فيه حساسية المستهلك للسعر والقيمة أعلى، تصبح جودة القرار أهم من كثرة الرسائل.

من سيفوز في السوق الأردني؟

لن يكون الفائز بالضرورة صاحب أكبر ميزانية إعلانية، ولا الشركة التي تستخدم أكبر عدد من أدوات الذكاء الاصطناعي.

قد يفوز من يفهم عميله أسرع من غيره.

الشركة التي تعرف لماذا يختارها الناس، ولماذا يتركونها، وتفهم جيل Z الذي يبحث ويقارن سريعًا ويمنح التجربة الرقمية والتقييمات وزنًا كبيرًا في قراره، وتستعد لجيل ألفا الذي ينشأ في بيئة أكثر التصاقًا بالذكاء الاصطناعي والتخصيص والتفاعل الفوري؛ ستكون أقدر على تقديم قيمة حقيقية دون أن تفقد ثقة الناس.

فالمنافسة القادمة ليست بين الإنسان والخوارزمية.

إنها بين شركة تعرف كيف تجمع فهم الإنسان مع سرعة التكنولوجيا، وشركة ما تزال تكرر الأسلوب نفسه وتنتظر نتيجة مختلفة.

الخوارزمية قد تعرف ماذا شاهد العميل، لكنها لا تعرف وحدها معنى أن يكون خلف الشاشة رب أسرة يحسب مصروفه، أو شاب يبحث عن أفضل قيمة مقابل ما يدفعه، أو صاحب مشروع صغير يدرك أن قرارًا خاطئًا قد يكلفه الكثير.

ولهذا سيبقى الإنسان جوهر السوق مهما تطورت التقنية.

وربما لا تكون أخطر فجوة تواجه السوق الأردني هي الفجوة بيننا وبين التكنولوجيا العالمية، بل الفجوة بين ما تعرفه الشركات عن عملائها وما تستطيع أن تعرفه عنهم.

والتحدي أمام الأردن ليس أن يكون الأكثر استخدامًا للذكاء الاصطناعي، بل أن يكون من الأكثر قدرة على تحويله إلى قيمة اقتصادية حقيقية: شركة أكثر إنتاجية، ومشروع صغير أكثر قدرة على البقاء والنمو، وشاب أكثر جاهزية لسوق العمل، ومستهلك يحصل على قيمة أفضل مقابل ما يدفعه.

المستقبل لن يكون للشركة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر، بل للشركة التي تفهم الإنسان أفضل باستخدامه.

وحين تصبح الخوارزمية قادرة على قراءة جزء من رغبات المستهلك قبل أن يتحدث، يبقى السؤال الأهم:

هل سنستخدم هذه المعرفة فقط لنبيع للإنسان أكثر… أم لنفهمه أكثر، ونقدم له قيمة تجعله يختارنا ويعود إلينا من تلقاء نفسه؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :