facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




#قتل_بدم_ساخن


د. محمود بني ملحم
26-08-2026 11:10 AM

أثناء متابعتي لخبر أب يقتل ابنه العشريني في منطقة الأغوار، قادني الفضول إلى قراءة التعليقات، باحثاً عن سبب قد يفسر كيف يمكن أن تصل الأمور إلى هذه النهاية. فتوقفت عند تعليق يقول: «والله الشب زي الوردة، وأبوه محترم كثير». توقفت طويلاً عند هذه الكلمات، فربما كانت هذه شهادة من شخص يعرفهما عن قرب، وربما كان الأب فعلاً رجلاً محترماً كما يقول التعليق، وربما أيضاً كان ابنه شاباً طيباً كما وصفه صاحب التعليق.

لكن السؤال الذي تملكني وتبادر إلى ذهني: كيف يمكن أن يجتمع كل ذلك، ثم تصل الأمور إلى القتل؟

هنا، أعتقد أننا بحاجة إلى أن نتوقف طويلاً عند موضوع أكبر من الحادثة نفسها: كم يستطيع الإنسان منا أن يتحمل تجاوزات الآخرين وأخطاءهم واستفزازاتهم؟

أحياناً يُبتلى الأب بابن طائش، وأحياناً يُبتلى الإنسان بسائق متهور في الطريق، أو بموظف يستفزه، أو بمراجع يضغط عليه، أو بزميل يسيء إليه، أو حتى بأقرب الناس إليه. وتتكرر المواقف، وتتراكم التفاصيل الصغيرة، ويصمت الإنسان مرة، ثم مرة أخرى، وربما يظن أنه تجاوز الأمر وانتهى، بينما يبقى شيء منه في داخله.

وهنا تكمن الخطورة، فليس كل ما نسكت عنه قد انتهى، وليس كل ما تجاوزناه قد اختفى. بعض المشاعر تتراكم بصمت، حتى تأتي لحظة صغيرة جداً، ربما لا تستحق في أصلها كل ذلك الغضب، لكنها تكون الشرارة التي تُخرج كل ما تراكم قبلها.

ولهذا فإن الإنسان لا يحتاج فقط إلى أن يتعلم كيف يتحمل، بل يحتاج أيضاً إلى أن يتعلم كيف يفرغ غضبه بطريقة صحيحة، وكيف يضع حدوداً للآخرين، وكيف ينسحب من الموقف عندما يشعر أن أعصابه لم تعد تحتمل، فليس من الحكمة أن نبقى في مواجهة الاستفزاز حتى نصل إلى نقطة لا نستطيع بعدها السيطرة على أنفسنا.

ومع ذلك، لا نجد أي مبرر للقتل. فالقتل جريمة عظيمة، وقد جعله الله سبحانه وتعالى من أعظم الكبائر. وفهمنا للأسباب التي قد تقف خلف الجريمة لا يعني بأي حال من الأحوال تبريرها أو تخفيف مسؤولية مرتكبها.

لكن الاعتراف بأن وراء بعض الجرائم أسباباً وتراكمات وضغوطاً لا يعني تبرير الجريمة، بل يعني أننا نحاول أن نفهم كيف وصل الإنسان إلى تلك اللحظة، حتى نمنع أن يصل إليها آخرون.

ربما لا نعرف ماذا حدث بين هذا الأب وابنه، وبين ذاك الزوج وزوجته ، ولين تلك الام وابنتها، ولا نعرف ما الذي سبق تلك اللحظة، ولذلك ليس من حقنا أن نصدر الأحكام من تعليق أو خبر مختصر. لكن الحادثة تترك أمامنا سؤالاً أكبر بكثير من تفاصيلها:

كم مرة ينبغي للإنسان أن يقول "سأتحمل"، ومتى ينبغي أن يقول "يجب أن أتوقف، وأبتعد، وأطلب المساعدة، قبل أن أفقد السيطرة"؟

فأحيانًا لا تكون البطولة في أن تنتصر في الموقف، ولا أن ترد الإساءة بإساءة، ولا أن تثبت أنك الأقوى.

أحياناً تكون البطولة الحقيقية أن تعرف أنك غاضب.. فتنسحب.

أن تشعر أن الكلمات وصلت إلى حدها .. فتصمت.

أن ترى أن الموقف يتجه إلى ما لا تحمد عقباه .. فتغادره.

لأن لحظة غضب واحدة قد تهدم سنوات من العمر، وقد تجعل الإنسان يقضي بقية حياته يدفع ثمن دقائق لم يستطع فيها أن يملك نفسه.

وكذلك يجب أن لا نكون سبب في استفزاز الاخرين فمعرفة كل شخص ما له وما عليه يجنب الاخرين تبعات خروجهم عن السيطرة.

والإنسان في النهاية لا يختبر فقط في أخلاقه عندما يكون مرتاحاً، وإنما يختبر حقاً عندما يستفز، ويُظلم، ويغضب، ويكون قادراً على الرد .. ثم يختار ألا يفعل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :