بعد زيارة الصين .. كيف نحول الاتفاقيات إلى مصانع واستثمارات وصادرات؟
د.جلال الشورة
27-08-2026 12:56 AM
اختتم جلالة الملك عبدالله الثاني زيارة الدولة إلى جمهورية الصين الشعبية، التي امتدت من 18 إلى 24 آب 2026، بعد سلسلة واسعة من المباحثات واللقاءات مع القيادة الصينية وكبرى الشركات والمؤسسات الاقتصادية والتكنولوجية، وانتهت ببيان مشترك وحزمة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات متعددة، من أبرزها الصناعة وسلاسل التوريد والتجارة الإلكترونية والاقتصاد الرقمي والطاقة والموارد المعدنية والطيران المدني والعلوم والتكنولوجيا.
وبعد انتهاء الزيارة، لم يعد السؤال الأهم: ماذا يمكن أن تحقق زيارة الصين؟ وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف يحول الأردن ما تحقق سياسياً ودبلوماسياً إلى استثمارات ومصانع وصادرات وفرص عمل حقيقية؟.
فالزيارة وفرت للمملكة فرصة مهمة، من خلال الوصول المباشر إلى أعلى مستويات القرار السياسي والاقتصادي في واحدة من أكبر القوى الصناعية والتكنولوجية والاستثمارية في العالم، وفتحت قنوات مباشرة مع شركات صينية تعمل في قطاعات تتقاطع بدرجة كبيرة مع أولويات الاقتصاد الأردني.
وأكد البيان الأردني–الصيني المشترك تعزيز التعاون في التجارة والاستثمار والطاقة والمعادن والزراعة والسياحة، إلى جانب بحث توسيع التعاون في الاقتصاد الأخضر والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة، وتعزيز التعاون الصناعي والتنموي. كما أكد الجانبان أهمية اتخاذ خطوات عملية لتسيير رحلات جوية مباشرة بين البلدين في أقرب وقت ممكن.
ومن أبرز المخرجات الاقتصادية أيضاً توقيع مذكرة تفاهم في مجال الصناعة وسلاسل التوريد، بهدف إنشاء منصة للتواصل والتنسيق وتشجيع التعاون الاقتصادي المرتبط بالصناعة وسلاسل التوريد والنمو وتوفير فرص العمل، إلى جانب اتفاقات وتفاهمات في التجارة الإلكترونية والاقتصاد الرقمي والطاقة والموارد المعدنية والعلوم والتكنولوجيا والطيران المدني.
كما تضمنت الحزمة اتفاقية تعاون تنموي توفر منحة صينية تقدر بنحو 14.7 مليون دولار للمساعدات الإنسانية ومشاريع التعاون الإنمائي، فضلاً عن 800 فرصة تدريب للحكومة الأردنية خلال العام الحالي.
هذه نتائج مهمة، لكنها في الحساب الاقتصادي بداية الطريق وليست نهايته.
فالأرقام توضح حجم الفرصة والتحدي معاً. ووفق بيانات أوردها منتدى الاستراتيجيات الأردني، بلغت الصادرات الصينية إلى الأردن خلال عام 2025 نحو 6.29 مليار دولار، مقابل نحو 430 مليون دولار من الصادرات الأردنية إلى الصين، بما أوجد اختلالاً في الميزان التجاري الثنائي يناهز 5.86 مليار دولار لمصلحة الصين.
أما الاستثمار الصيني المباشر التراكمي في الأردن، فقد بلغ، وفق المصدر ذاته، نحو 3.56 مليار دولار خلال الفترة 2010–2025 موزعة على 71 مشروعاً، لكن نحو 3.17 مليار دولار، أي ما يقارب 89% منها، تركزت في قطاع الطاقة.
وهنا تظهر القضية الحقيقية.
فالأردن لا يحتاج فقط إلى زيادة حجم الاستثمار الصيني، بل إلى تنويع طبيعته ونقله بصورة أكبر نحو الصناعات التي تخلق قيمة مضافة، وتنقل التكنولوجيا والخبرة، وتبني شبكة من الموردين المحليين، وتوفر وظائف نوعية، وتوسع القدرة الأردنية على التصدير.
وبعبارة أكثر وضوحاً: نحن لا نريد فقط أن نشتري أكثر من الصين؛ بل نريد أن تستثمر الصين وتنتج معنا وفي الأردن.
لقد التقى جلالة الملك خلال الزيارة شركات ومؤسسات صينية تعمل في قطاعات الصناعات الدوائية والغذائية والهندسية والزراعة والطيران والطاقة والمعادن والأسمدة والتكنولوجيا والصناعات المتقدمة، فضلاً عن شركات تعمل في مجالات حديثة، من بينها الروبوتات والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية.
ومن هنا تبدأ مرحلة المسؤولية التنفيذية للحكومة والقطاع الخاص في البناء على مخرجات الزيارة.
فالسؤال من اليوم ليس كم شركة جرى الاجتماع بها، بل: كم شركة من هذه الشركات ستتحول محادثاتها إلى مشروع استثماري داخل المملكة؟
لا ينبغي أن تنتهي المتابعة عند عبارات من قبيل "إبداء الاهتمام بالسوق الأردنية". فكل اهتمام استثماري جاد يجب أن يتحول إلى ملف محدد: ما المشروع؟ وما حجمه؟ وأين سيقام؟ وكم فرصة عمل سيوفر؟ وما احتياجات المستثمر؟ وما العقبات التي تواجهه؟ ومن الجهة المسؤولة عن متابعته؟ وما الجدول الزمني للوصول إلى قرار؟
فالمنافسة على الاستثمار الصيني شديدة، والأردن لا ينافس نفسه. دول عديدة في المنطقة تعرض أراضي صناعية وحوافز وبنية تحتية وأسواقاً وخدمات لوجستية لجذب الشركات الصينية.
لكن المملكة تمتلك، في المقابل، عناصر قوة حقيقية: الاستقرار، والموقع الجغرافي، والموارد البشرية، والمناطق الصناعية، والربط الإقليمي، وإمكان الوصول التفضيلي إلى عدد من الأسواق العالمية وفق الاتفاقيات النافذة وقواعد المنشأ الخاصة بكل اتفاقية.
والمطلوب هو تحويل هذه المزايا إلى عرض استثماري أردني واضح وموجه إلى شركات صينية بعينها، بدلاً من انتظار المستثمر حتى يأتي من تلقاء نفسه.
وتزداد أهمية ذلك في ضوء تحول هيكل الاستثمار الصيني الخارجي خلال السنوات الأخيرة باتجاه الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية والبطاريات والبنية الرقمية والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة.
وهنا يبرز ملف المركبات الصينية باعتباره مثالاً على كيفية إدارة العلاقة الاقتصادية الجديدة، لا باعتباره القضية الرئيسية فيها.
فالسياسة الأردنية الحالية تجاه سيارات الركوب المستوردة، سواء كانت كهربائية أو هجينة أو تعمل بالبنزين، تقوم على إخضاعها لتقييم المطابقة، واشتراط مطابقتها لأحد أنظمة التشريعات الفنية التي حددتها مؤسسة المواصفات. والمقاييس: الأوروبية أو الأمريكية أو الخليجية أو السعودية.
ومن الطبيعي أن تبقى سلامة المواطن وحماية المستهلك أولوية لا يجوز التراجع عنها.
لكن ذلك لا يمنع من طرح سؤال فني واقتصادي مشروع، في ضوء تطور العلاقات مع الصين: هل يمكن إخضاع منظومة المواصفات والتشريعات الفنية الصينية لدراسة علمية مستقلة لبحث مدى تكافؤ ما يثبت منها مع متطلبات السلامة المعتمدة في الأردن؟
المسألة هنا يجب ألا تعالج بمنطق فتح السوق بلا ضوابط، ولا بمنطق إغلاقه دون تقييم فني، وإنما على أساس السلامة والمطابقة والمصلحة الاقتصادية.
ومع ذلك، فإن الفرصة الأكبر للأردن لا تكمن في استيراد المزيد من السيارات الصينية.
السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا لا نسعى إلى تصنيع المركبة الكهربائية أو البطارية أو بعض مكوناتهما في الأردن؟
فإذا استطاعت المملكة استقطاب مصنع صيني حقيقي للمركبات الكهربائية أو البطاريات أو مكوناتها، يستخدم العمالة الأردنية، وينقل المعرفة والتكنولوجيا، ويبني شبكة من الموردين المحليين، ويستهدف التصدير إلى أسواق المنطقة، فإن العائد الاقتصادي سيكون أكبر بكثير من مجرد زيادة عدد المركبات المستوردة.
وينطبق المنطق ذاته على الأدوية والصناعات التعدينية والأسمدة والإلكترونيات والطاقة المتجددة والصناعات الغذائية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، يجب ألا تبقى العلاقة الاقتصادية بين البلدين طريقاً باتجاه واحد.
فالسوق الصينية، بحجمها الهائل، تمثل فرصة غير مستغلة بما يكفي للمنتج الأردني. وقد قدر منتدى الاستراتيجيات الأردني فرص الصادرات الأردنية غير المستغلة في السوق الصينية بنحو 400 مليون دولار.
وهذا يستدعي الانتقال من العبارة التقليدية "نريد زيادة الصادرات" إلى برنامج تنفيذي يحدد المنتجات الأردنية القابلة للمنافسة في الصين، والعوائق الفنية والصحية والجمركية واللوجستية أمام كل منتج، ثم العمل على معالجتها واحداً تلو الآخر.
والصادرات الأردنية الحالية إلى الصين ما زالت تتركز في عدد محدود نسبياً من المنتجات، ومنها الفوسفات والبوتاس والأسمدة والمواد الكيماوية والنحاس، بينما ينبغي العمل على توسيع القاعدة التصديرية إلى قطاعات ومنتجات أخرى قادرة على المنافسة.
وقد قدمت الزيارة نموذجاً عملياً لكيفية فتح الأسواق، عندما شملت الاتفاقات الموقعة بروتوكولات للتعاون في متطلبات الحجر الصحي والصحة البيطرية، إلى جانب التعاون في الحجر الحيواني والنباتي. ففتح سوق ضخمة كالصين لا يتم بالشعارات، وإنما عبر مفاوضات فنية وإجراءات اعتماد ونفاذ سوقي لكل منتج.
كذلك فإن تحسين الربط الجوي بين البلدين يحمل بعداً اقتصادياً يتجاوز حركة المسافرين. فقد وقعت الملكية الأردنية والخطوط الجوية الصينية مذكرة تفاهم لتطوير الشراكة والتعاون التجاري والتشغيلي، بما في ذلك إطلاق وتشغيل خطوط جوية جديدة، فيما أكد البيان المشترك أهمية تسيير رحلات مباشرة بين البلدين في أقرب وقت ممكن.
فالاستثمار والسياحة والتجارة تحتاج جميعها إلى سهولة الاتصال بين رجال الأعمال والأسواق والمؤسسات في البلدين.
لكن القضية الأهم تبدأ بعد انتهاء الزيارة.
وقد كان لافتاً أن ممثلي فعاليات اقتصادية أردنية أكدوا، في تصريحات نشرتها وكالة الأنباء الأردنية "بترا" بتاريخ 26 آب 2026، ضرورة تحويل مخرجات الزيارة إلى مشروعات اقتصادية ملموسة، وتعزيز الصادرات، وإقامة مشروعات مشتركة، وضمان المتابعة المؤسسية، وتحديد المشروعات ذات الأولوية، وقياس النتائج باستمرار.
وهنا أقترح إنشاء آلية تنفيذ ومتابعة اقتصادية أردنية–صينية تضم الجهات الحكومية المعنية ومؤسسات الاستثمار والصناعة والتجارة وممثلي القطاع الخاص، وتكون مهمتها الأساسية تحويل الاتفاقيات واللقاءات إلى مشروعات قابلة للتنفيذ.
ويبدأ عملها بإعداد قائمة بالشركات والجهات الصينية التي جرى التواصل معها خلال الزيارة، وتحديد الهدف الأردني مع كل منها: مصنع، أو استثمار، أو مركز إقليمي، أو شراكة، أو نقل تكنولوجيا، أو مشروع بحث وتطوير، أو فتح سوق أمام منتج أردني.
ويجب أن يكون لكل ملف مسؤول واضح، وجدول زمني، ومؤشرات أداء يمكن قياسها.
والأهم أن تكون هناك متابعة دورية وشفافة للنتائج وقياس لمؤشرات الأداء.
فبعد ستة أشهر، ثم بعد عام، ينبغي أن نكون قادرين على الإجابة عن أسئلة محددة:
كم استثماراً صينياً جديداً انتقل فعلاً إلى مرحلة التنفيذ؟
كم مشروعاً صناعياً انتقل إلى مرحلة الإنشاء أو الإنتاج؟
كم فرصة عمل جديدة أُتيحت؟
كم ارتفعت الصادرات الأردنية إلى الصين؟
وكم شركة صينية اختارت الأردن قاعدة لإنتاجها أو أعمالها الإقليمية؟
وحتى مساء 26 آب 2026، فإن النتائج الرسمية المنشورة للزيارة تظهر حزمة واسعة ومهمة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وأطر التعاون، إلا أنها لا تتضمن إعلاناً رسمياً عن مصنع صيني كبير محدد في الأردن بقيمة استثمارية وجدول تنفيذ معلنين، كما لا تتضمن إعلاناً عن تعديل جديد للإطار الفني المنظم لدخول المركبات المستوردة.
وهذه الملاحظة لا تنتقص من أهمية ما تحقق، بل تحدد طبيعة المرحلة المقبلة.
فالزيارات الرسمية تفتح الأبواب، وتؤسس العلاقات، وتوفر الغطاء السياسي والاقتصادي اللازم، لكن تحويل ذلك إلى مصنع أو وظيفة أو صادرات إضافية يتطلب عملاً تنفيذياً متواصلاً بعد عودة الوفود.
لقد فتحت الدبلوماسية الملكية أمام الاقتصاد الأردني باباً واسعاً مع واحدة من أكبر القوى الصناعية والتكنولوجية والاستثمارية في العالم.
ومن هنا تبدأ مسؤولية الحكومة والقطاع الخاص: أن ننتقل من الاتفاقيات إلى المشاريع، ومن الاستيراد إلى الإنتاج، ومن انتظار المستثمر إلى استهدافه، ومن الحديث عن الصادرات إلى فتح الأسواق فعلياً أمام المنتج الأردني.
فالفرصة أصبحت أمامنا، والسؤال من اليوم ليس ماذا حققت زيارة الصين فحسب، بل:
هل نحسن تحويل ما حققته إلى مصانع واستثمارات وصادرات وفرص عمل؟