من عمّان إلى بكين حين يكون حضور أبا الحسين عنوانا للأردن
27-08-2026 06:13 PM
ليست كل الزيارات الملكية مجرد انتقال من عاصمة إلى أخرى
فبعض الزيارات تحمل معها صورة وطن كامل وتختصر في تفاصيلها سنوات من العمل السياسي والدبلوماسي وتفتح في هدوئها أبوابا واسعة للمستقبل
وهكذا بدت زيارة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين إلى الصين
من عمّان إلى بكين لم يكن المشهد مجرد زيارة دولة بل كان حضور الأردن بثقله واعتداله وثوابته في واحدة من أهم العواصم السياسية والاقتصادية في العالم
وصل الملك إلى الصين وبين يديه الأردن بكل ما يحمله من تاريخ ومواقف وثبات وكان واضحا أن لغة اللقاء لم تكن لغة المجاملات الدبلوماسية بقدر ما كانت لغة المصالح المشتركة والشراكة التي تريد أن تنتقل من العناوين إلى العمل
الزيارة التي امتدت من الثامن عشر وحتى الرابع والعشرين من آب 2026 شملت بكين وشنغهاي وشنتشن وانتهت بمباحثات مع الرئيس الصيني شي جينبينغ أكدت الرغبة في تعميق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وتوسيع التعاون في مجالات متعددة
لكن ما يلفت في حضور الملك عبدالله الثاني ليس فقط ما يقال في قاعات الاجتماعات
بل الطريقة التي يحضر بها
هيبة هادئة لا تحتاج إلى رفع الصوت
وثقة لا تحتاج إلى استعراض
وحضور يعرف متى يتحدث ومتى يصمت ومتى يضع مصلحة الأردن في مقدمة المشهد
وهذه واحدة من أهم سمات الدبلوماسية الأردنية التي ارتبطت بشخصية الملك منذ سنوات طويلة
في بكين كان الأردن حاضرا كدولة صغيرة في مساحتها لكنها كبيرة في موقعها ودورها ورسالتها
وكانت الملفات الاقتصادية حاضرة بقوة لأن العلاقة مع الصين لم تعد تحتمل أن تبقى محصورة في حركة التجارة التقليدية
الأردن يريد استثمارات نوعية ويريد التكنولوجيا ويريد توسيع صادراته ويريد أن يتحول موقعه الاستراتيجي إلى فرصة اقتصادية حقيقية
والصين تنظر إلى الأردن باعتباره شريكا مستقرا ومهما في منطقة شديدة الحساسية
وهنا تكمن قيمة الزيارة
أنها لم تذهب إلى الصين بحثا عن صورة جميلة أو بيان دبلوماسي جديد
بل بحثت عن مرحلة مختلفة من العلاقة
مرحلة يكون فيها الاستثمار جزءا من الشراكة ويكون نقل التكنولوجيا جزءا منها وتكون زيادة الصادرات الأردنية إلى السوق الصينية هدفا واضحا
وتشير تقارير اقتصادية أردنية إلى أن العلاقة التجارية ما تزال تميل بقوة لصالح الواردات الصينية وهو ما يجعل توسيع الصادرات الأردنية وجذب الاستثمار الصيني المنتج من أبرز الملفات التي يمكن البناء عليها بعد الزيارة
وفي السياسة أيضا لم يكن الأردن غائبا
فالمباحثات الملكية الصينية حملت معها رؤية الأردن تجاه قضايا المنطقة والتطورات الدولية وأكد البيان المشترك الصادر عقب لقاء الملك والرئيس الصيني استمرار التنسيق بين البلدين في القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك
وهنا يظهر الفرق بين زيارة عادية وزيارة تحمل رسالة دولة
فالملك عبدالله الثاني لا يدخل العواصم الكبرى باحثا عن مكان للأردن في الصورة
بل يدخلها والأردن حاضر أصلا في حسابات السياسة الدولية
الأردن الذي عرف كيف يحافظ على توازنه وسط منطقة مضطربة
والملك الذي حافظ على خطاب واضح في قضايا بلاده وقضايا أمته
والدولة التي جعلت من الاعتدال والحوار والاستقرار أدوات قوة لا علامات ضعف
لهذا كانت هيبة أبي الحسين في بكين أبعد من البروتوكول
فالهيبة الحقيقية ليست في عدد الحراس ولا في ضخامة المواكب
الهيبة أن تدخل إلى عاصمة بحجم بكين وأنت تعرف قيمة البلد الذي تمثله
أن تتحدث بثقة لأن وراءك دولة لها موقف
وأن تفاوض بهدوء لأنك لا تبحث عن انتصار إعلامي عابر بل عن نتائج تبقى بعد انتهاء الزيارة
وقد حملت الزيارة بالفعل توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم وفتحت الباب أمام تعاون أوسع في قطاعات اقتصادية حيوية وهو ما أكد الملك نفسه أهمية البناء عليه بعد عودته إلى الأردن
ولعل أجمل ما في المشهد أن الملك لم يكن وحده في هذه الصورة
كان معه الأردن
بأرضه وناسه وتاريخه وثوابته
وكانت عمّان حاضرة في بكين بكل ما تمثله من اعتدال عربي ووعي سياسي وموقع استراتيجي
من هنا يمكن قراءة الزيارة على أنها أكثر من محطة في جدول الدبلوماسية الأردنية
إنها محاولة لإعادة رسم مساحة أوسع للأردن في الاقتصاد العالمي
وفتح نوافذ جديدة أمام القطاع الخاص والاستثمار والتكنولوجيا والأسواق
وهي في الوقت ذاته رسالة بأن الأردن لا ينتظر أن تأتي الفرص إليه بل يذهب إليها حيث تكون
وهذه هي صورة أبي الحسين التي يعرفها الأردنيون
ملك يمضي بهدوء
يتحدث بثقة
ويضع الأردن أولا
لا يبحث عن ضجيج اللحظة بل عن أثر يبقى بعدها
من عمّان إلى بكين تغيرت المسافة وبقيت الرسالة واحدة
الأردن حاضر
والملك حاضر
والثقة حاضرة
وحين يكون أبا الحسين في المشهد
فإن حضور الأردن يسبق الكلام