بعد النماذج التوليدية: أين تكمن الميزة الحقيقية للمؤسسات؟
د. علي الروضان
27-08-2026 07:46 PM
تدخل المؤسسات اليوم مرحلة جديدة من الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)، فلم تعد المنافسة مرتبطة بالنموذج الأقوى وحده؛ إذ يشير «مؤشر الذكاء الاصطناعي 2026» الصادر عن جامعة ستانفورد إلى تقارب متزايد في أداء النماذج المتقدمة، وإلى تقلص الفجوة بين أفضل النماذج الأميركية والصينية إلى 2.7% على بعض المقاييس. وفي الاتجاه ذاته، تُظهر دراسة عالمية أصدرتها شركة McKinsey للاستشارات الإدارية عام 2026 أن قرابة تسع من كل عشر مؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي بانتظام في وظيفة واحدة على الأقل، وأن 44% بدأت توسيع استخدامه على مستوى المؤسسة، فيما أعادت نحو 75% من المؤسسات الأعلى أداءً تصميم إجراءات العمل للاستفادة منه فعلياً. وهذا يؤكد أن القيمة الحقيقية لا تأتي من قوة النموذج وحدها، بل من قدرة المؤسسة على دمجه مع بياناتها ومعرفتها وإجراءاتها وقراراتها اليومية.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: ما الذي تعرفه مؤسستنا ولا يعرفه النموذج العام؟ فالنماذج التوليدية والنماذج اللغوية الكبيرة (Large Language Models - LLMs) لا تمتلك المعرفة الخاصة بكل مؤسسة؛ من خبراتها المتراكمة وقراراتها السابقة ومبرراتها، إلى تفسيراتها للأنظمة وطبيعة إجراءاتها والعلاقات بين أنظمتها المختلفة. لذلك تتشكل الميزة الحقيقية من منظومة تجمع البيانات الموثوقة، والمعرفة المؤسسية (Institutional Knowledge)، والسياق، والتكامل مع الأنظمة، والحوكمة، والقدرة على التنفيذ. وهنا تبرز الذاكرة المؤسسية (Institutional Memory) بوصفها أصلاً استراتيجياً؛ فخبرة قد تغادر بتقاعد موظف، ودرس قد يضيع بانتهاء مشروع، وقرار قد يبقى محفوظاً من دون مبرراته. ومن هنا تأتي أهمية توثيق هذا الرصيد المعرفي وحمايته وإدارته واستثماره.
وتوضح التجارب الدولية ذلك عملياً؛ فقد ربطت مؤسسة Morgan Stanley المالية والاستثمارية العالمية الذكاء الاصطناعي بمعرفتها البحثية الداخلية وضوابطها المؤسسية، فوصلت نسبة استخدامه بين المستشارين إلى أكثر من 98%، وارتفعت قدرتهم على الوصول إلى المعلومات والوثائق التي يحتاجونها في عملهم من نحو 20% إلى 80%. وفي سنغافورة، يُشغِّل بنك DBS أكثر من ألفي نموذج عبر أكثر من 430 حالة استخدام، وحقق في عام 2025 قيمة اقتصادية تُقدّر بنحو مليار دولار سنغافوري من مبادرات البيانات والذكاء الاصطناعي، كما يتيح نظامه الداخلي للموظفين، وفق صلاحياتهم، البحث في أكثر من أربعة ملايين وثيقة وسياسة ومحتوى داخلي. وعلى المستوى الحكومي، بلغ عدد المستخدمين النشطين شهرياً لـالمساعد الحكومي الذكي Pair أكثر من 90 ألف مستخدم في الربع الأول من عام 2026، مع توفير مقدّر بنحو 86 دقيقة في المهمة الواحدة. والقاسم المشترك في هذه التجارب هو دمج الذكاء الاصطناعي في معرفة المؤسسة وسياقها وإجراءاتها، لا التعامل معه كأداة منفصلة.
وفي الأردن، لدينا قاعدة مهمة للبناء عليها؛ فقد وصلت رقمنة الخدمات الحكومية خلال عام 2025 إلى نحو 80%، أي 1920 خدمة من أصل 2400 خدمة مستهدفة، إلى جانب التقدم في الهوية والخدمات الرقمية ومسار الذكاء الاصطناعي الوطني. أما المرحلة التالية، فينبغي أن تتجه نحو تحويل المعرفة المتراكمة داخل مؤسساتنا إلى قدرة مؤسسية ذكية. ففي الدوائر والمؤسسات الحكومية تتمثل هذه المعرفة في تراكم القرارات والتفسيرات والخبرات، وفي البنوك في خبرات الائتمان والمخاطر والسوق، وينطبق الأمر ذاته على الجامعات والمستشفيات وشركات الاتصالات والمؤسسات الصناعية. وتبدأ الخطوة الأولى بتحديد المعرفة الأساسية التي تعتمد عليها المؤسسة ومصادرها الموثوقة، وتوثيق القرارات ومبرراتها، وحفظ الخبرات المتراكمة، ثم ربط هذه المعرفة بالأنظمة وإجراءات العمل ضمن حوكمة وصلاحيات واضحة، وقياس أثرها في الوقت والكلفة وجودة القرار والخدمة.
ومن هنا، ينبغي أن ينتقل النقاش من اختيار التقنية إلى بناء القدرة المؤسسية، وأن تبدأ المؤسسة بأسئلة أكثر أهمية: ما المعرفة الخاصة التي نملكها؟ أين توجد؟ ما الموثوق منها؟ من يحق له استخدامها؟ وأين يمكن توظيفها لتحسين قرار أو خدمة بصورة قابلة للقياس؟ فمع اتساع الوصول إلى النماذج المتقدمة، ستصبح المعرفة المؤسسية والخبرة المتراكمة والسياق وثقة البيانات عناصر أكثر أهمية في تحديد قيمة الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة. وعندها لن يكون الفارق في امتلاك نموذج أكثر تقدماً فحسب، بل في قدرة المؤسسة على توظيف معرفتها بصورة أذكى، وتحويلها إلى قرار أدق، وخدمة أسرع، وأثر ملموس. وهنا تكمن الميزة الحقيقية للمؤسسات في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي.