في الوقت الذي تتجه فيه الحكومة إلى المحافظات، وتجتمع مع المواطنين في أماكنهم، وتستمع مباشرة إلى أوجاعهم واحتياجاتهم وأسئلتهم، يشعر المواطن أن صوته أصبح أقرب إلى متخذ القرار، وأن ما يطرحه من قضايا لم يعد حبيس المكاتب والملفات، بل أصبح يصل مباشرة إلى من يملك القرار.
ومن هنا استبشر أهالي قرية ثغرة الجب في محافظة المفرق خيرًا عندما طُرحت قضية النفق المؤدي إلى قريتهم، وهي قضية ليست ترفًا أو مطلبًا لتحسين المشهد العام، وإنما قضية تتعلق بالسلامة العامة وحياة المواطنين.
وتقع هذه القرية على طريق دولي حيوي، يشهد حركة كثيفة للمركبات والشاحنات، ما يجعل عبور الطريق والدخول إلى القرية والخروج منها تحديًا يوميًا.
وفي هذه الحالة تحديدًا، كان الأمل كبيرًا عندما صدر قرار بتخصيص موازنة لإنشاء نفق يربط الطريق العام بالقرية بصورة أكثر أمانًا. لم يكن الأهالي ينظرون إلى النفق باعتباره مشروعًا خدميًا عاديًا، بل باعتباره مشروعًا لحماية الأرواح وتخفيف مخاطر الطريق عن أبناء القرية وعن كل من يستخدم هذا الشريان الحيوي.
لكن المفاجأة جاءت في التراجع عن القرار وإرجاء الموازنة المخصصة للمشروع.
وهنا يبرز السؤال: ما هي الأولويات؟ وكيف نحددها عندما تتعدد الاحتياجات وتكون الموارد محدودة؟ وهل الأولى أن ننفق على تحسين المشهد وإضافة المرافق الجديدة، أم أن تتقدم عليها المشاريع التي تمنع الخطر وتحمي حياة الإنسان؟
هذه القضية لا تخص قرية واحدة وحدها. فهناك قرى وبلدات أخرى تواجه مشكلات مشابهة على الطرق الحيوية والدولية، حيث تتقاطع حركة السكان اليومية مع حركة المركبات والشاحنات.
وليس بالضرورة أن تكون المعالجة بمشاريع ضخمة أو موازنات كبيرة، فقد يكون الحل بسيطًا وآمنًا ومباشرًا يحقق الغاية المطلوبة. وهنا تقع مسؤولية اللجان والجهات الفنية في ابتكار حلول عملية ذات كلفة معقولة، لا تُثقل الموازنة ولا تدفع المسؤول إلى رفض المشروع. والأهم ألا يأتي تنفيذ المشروع على حساب حقوق المواطنين المجاورين له أو أراضيهم وممتلكاتهم، فالحل الأفضل هو الذي يحقق الهدف ويحمي حقوق المواطنين وملكياتهم ويضمن رضا الجميع.
وهناك جانب آخر مهم، وهو إنارة الطرق. فالطريق الدولي الذي يشهد حركة كثيفة، وخصوصًا حركة الشاحنات، يحتاج إلى إنارة جيدة في المناطق التي تمر بها التجمعات السكانية ومداخل القرى والبلدات.
وفي مناطق المفرق وامتداداتها باتجاه الزرقاء، توجد طبيعة حياة مختلفة عن المدن؛ فهناك مزارعون ومربو ماشية وأصحاب أغنام، وقد تضطر قطعان الأغنام إلى عبور الطريق ليلًا. وفي مثل هذه الحالات، قد يتحول الأمر إلى خطر حقيقي، خصوصًا عندما تكون المركبات شاحنات.
إن الطريق الآمن لا يعتمد فقط على الإسفلت واتساع المسارب، وإنما يحتاج إلى إنارة واضحة، وإشارات تحذيرية، ومعابر آمنة، وتنظيم للمداخل والمخارج، وإجراءات تحد من مخاطر عبور المشاة والحيوانات.
ومن هنا، فإن الحديث عن هذا النفق أو غيره يجب ألا يُفهم باعتباره مطالبة بمشروع خاص لقرية واحدة، بل باعتباره مثالًا على قضية أوسع: كيف نضع سلامة الإنسان في مقدمة أولويات مشاريع الطرق؟
قد تكون هناك مشاريع تنموية أخرى مهمة، وقد تكون هناك احتياجات ملحة في محافظة المفرق أو غيرها، وهذا أمر مفهوم. لكن المشاريع ليست كلها متساوية عندما يتعلق الأمر بحياة الإنسان وسلامته. فالحديقة مهمة، والملعب مهم، والمرفق الخدمي مهم، لكن حماية الإنسان من خطر معروف يجب أن تحتل مكانًا متقدمًا في سلم الأولويات.
وأهالي هذه القرية، في مطالبتهم بالنفق، لا يطلبون المستحيل ولا امتيازًا خاصًا. إنهم يطالبون بحل لمشكلة تمس حياتهم اليومية، ويأملون أن تجد قضيتهم طريقها إلى القرار الذي يحقق السلامة لهم ولغيرهم من مستخدمي الطريق.
وفي الوقت نفسه، فإن المسؤولية الأوسع تقتضي دراسة أوضاع كل قرية أو بلدة تواجه طريقًا دوليًا أو سريعًا يشكل خطرًا على سكانها، وتحديد احتياجاتها من الأنفاق والجسور والمعابر الآمنة والإنارة والإشارات ووسائل السلامة وفق حجم الخطر والأولوية.
نحن نعيش في دولة تتطور، وحكومة تعمل على تنفيذ مشاريع في مختلف المحافظات، وهذا جهد يستحق التقدير. لكن المواطن يريد أيضًا أن يرى استقرارًا في القرارات التي تمس حياته مباشرة، وألا تتغير الأولويات بسهولة بعد أن يكون قد علق عليها آماله.
قد تتغير الخطط والموازنات، وقد تتبدل الأولويات، لكن هناك أشياء يجب ألا تتغير: قيمة الإنسان، وسلامته، وحقه في طريق آمن، وثقته بالقرار الحكومي عندما يُتخذ لمصلحته، وألا يتم التراجع عنه أبدًا.
ولذلك يبقى السؤال مفتوحًا: ما هي الأولويات؟
فالمشاريع تُبنى بالمال، والمال يمكن تدبيره، أما الأرواح فلا موازنة تستطيع إعادتها.