الأردن والصين .. شراكة جديدة في عالم متعدد الخيارات
كامل الروضان
29-08-2026 08:49 AM
في عالم تتسع فيه دوائر القوة، وتتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع التكنولوجيا والنفوذ، لم يعد توسيع شبكة العلاقات الدولية ترفًا دبلوماسيًا، بل أصبح وسيلة لحماية المصالح الوطنية وتعزيز قدرة الدول على التعامل مع المتغيرات. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الزيارة الملكية إلى الصين باعتبارها خطوة أردنية باتجاه توسيع مساحة الخيارات، وبناء علاقات اقتصادية وتكنولوجية أوسع، دون أن تحمل بالضرورة معنى تغيير التحالفات القائمة.
فالزيارة لم تقتصر على الجانب السياسي أو على تنشيط حركة التجارة، وإنما فتحت أبوابًا أمام مجالات متعددة للتعاون، من الصناعة والتجارة والطاقة والتعدين وسلاسل التوريد، إلى الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والعلوم والتكنولوجيا، فضلًا عن السياحة والطيران. كما امتدت الاتصالات إلى شركات صينية تعمل في مجالات الروبوتات والأتمتة والحوسبة والتقنيات المتقدمة، وهي مجالات يمكن أن تحمل للأردن فرصًا تتجاوز العلاقة التقليدية بين سوق ومورّد.
وهنا تظهر أهمية الزيارة من زاويتها الاقتصادية. فالأردن بحاجة إلى جذب رؤوس الأموال، واستقطاب التكنولوجيا والخبرة، وربط ذلك كله بعملية إنتاج حقيقية داخل الاقتصاد الوطني. والمطلوب ليس فقط زيادة ما يدخل إلى المملكة من سلع وتقنيات، وإنما تحويل جزء من هذه الإمكانات إلى مصانع ومشاريع وخدمات وصادرات وفرص عمل، بحيث يصبح التعاون الخارجي رافعة للنمو وليس مجرد زيادة في حجم المبادلات.
وتزداد أهمية الانفتاح على الصين بالنظر إلى التحول الكبير الذي شهدته قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية. فالصين اليوم ليست فقط سوقًا استهلاكية هائلة أو قاعدة صناعية واسعة، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة والحوسبة والصناعات المتقدمة. وهذا يمنح الأردن فرصة للتعامل مع تجربة تجمع بين رأس المال والتكنولوجيا والقدرة على التصنيع والتوسع في الأسواق.
لكن نجاح أي علاقة اقتصادية لا تحدده كثرة مذكرات التفاهم والاتفاقيات، وإنما ما يحدث بعدها. فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما تنتقل الأفكار إلى مشاريع، والمشاريع إلى إنتاج، والإنتاج إلى أسواق. وعندها يصبح من الممكن قياس أثر الشراكة من خلال الاستثمارات الفعلية، وفرص العمل، وزيادة القدرة التصديرية، وفتح أسواق جديدة أمام المنتج الأردني، والأهم من ذلك اكتساب الاقتصاد المحلي معرفة وخبرات ترفع قدرته على المنافسة.
وفي الجانب السياسي، لا تعني زيادة التعاون مع بكين بالضرورة إعادة ترتيب علاقات الأردن الدولية. فالعلاقات الاقتصادية مع الصين يمكن أن تنمو في الوقت نفسه الذي تستمر فيه الشراكات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والدول الغربية. وهذه نقطة جوهرية في فهم السياسة الأردنية؛ فالدولة تستطيع أن توسع علاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية من دون أن تتخلى عن علاقاتها وتحالفاتها القائمة، وأن تضيف إلى خياراتها بدل أن تستبدل خيارًا بآخر.
أما دخول التكنولوجيا المتقدمة إلى أي علاقة اقتصادية، فيضيف بعدًا آخر لا يمكن تجاهله. فالاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية ترتبط بقضايا البيانات والاتصالات والأمن السيبراني وحماية الأنظمة الحيوية. ولهذا ظهرت في بعض التحليلات الإسرائيلية مخاوف من انعكاسات الحضور التكنولوجي الصيني المحتمل في مناطق قريبة من وادي الأردن، بالنظر إلى حساسية الموقع وطبيعة التقنيات الحديثة وما يمكن أن يرتبط بها من اعتبارات أمنية واستخبارية.
غير أن التعامل مع هذه الهواجس يجب أن يكون من زاوية المصلحة الأردنية أولًا. فالمطلوب ليس الانغلاق أمام التكنولوجيا أو رأس المال القادم من أي جهة، وإنما وضع إطار واضح يضمن أن تخدم التقنيات الحديثة التنمية والإنتاج ورفع الكفاءة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أمن البيانات والبنية التحتية والمصالح الوطنية.
وفي اقتصاد عالمي تتوزع فيه مصادر رأس المال والتكنولوجيا والأسواق بين قوى ومراكز متعددة، تصبح القدرة على التعامل مع أكثر من طرف مصدرًا من مصادر المرونة. والأردن، بحكم موارده المحدودة وحاجته المستمرة إلى الاستثمار والأسواق والتكنولوجيا، من مصلحته أن يمتلك أكبر قدر ممكن من الخيارات الاقتصادية، وأن يحسن إدارة علاقاته المختلفة وفق ما يحقق له قيمة مضافة حقيقية.
وفي النهاية، لن تُحسم قيمة الزيارة بعدد الاتفاقيات التي خرجت بها، وإنما بما ستنتجه خلال السنوات المقبلة. فإذا تحولت التفاهمات إلى استثمارات ومشاريع إنتاجية، وتحول التعاون التكنولوجي إلى خبرات وقدرات محلية، وأصبح الانفتاح التجاري طريقًا إلى صادرات وأسواق جديدة، فإن العلاقة مع الصين ستكون قد انتقلت من إطار التعاون التقليدي إلى شراكة ذات أثر ملموس في الاقتصاد الأردني.
وهنا تكمن خلاصة المشهد: الأردن لا يبحث عن بديل لتحالفاته، بل يوسع خياراته؛ ولا يضع علاقاته في مواجهة بعضها بعضًا، وإنما يسعى إلى توظيفها بما يخدم مصالحه؛ وفي عالم تتعدد فيه مراكز القوة، فإن امتلاك خيارات أوسع قد يكون في حد ذاته مصدرًا للقوة والمرونة.