facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ضعف الحماية الجزائية في مسائل الأحوال الشخصية


د. محمود أبو رمان
29-08-2026 11:11 AM

* الحاجة إلى منظومة رادعة لمواجهة التغرير والكذب والمماطلة والعبث بحقوق الأسرة

لا يكفي أن تُقرَّر الحقوق في النصوص القانونية ثم يُترك صاحب الحق يلاحقها في إجراءات طويلة، بينما يستطيع الطرف الآخر أن يستفيد من المماطلة والتسويف والكذب وإخفاء المعلومات والعبث بالإجراءات دون جزاء رادع يتناسب مع خطورة فعله.

وتبدو هذه الإشكالية أكثر حساسية في مسائل الأحوال الشخصية؛ لأن الحق محل الحماية لا يتعلق بالمال وحده، وإنما بالأسرة والطفل والزوجين وصلة الرحم والاستقرار النفسي والاجتماعي.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في مدى كفاية أدوات الحماية الجزائية، لا بهدف تحويل الأسرة إلى ساحة للعقوبات، وإنما لمنع تحويل النصوص والإجراءات إلى وسائل للتهرب من المسؤولية وتعطيل الحقوق.

حماية جزائية ما زالت محدودة

تظهر الحماية الجزائية في مسائل محددة من الأحوال الشخصية، إلا أن صوراً أخرى من السلوك المتعمد الذي يلحق ضرراً بالغاً بالأسرة لا تزال بحاجة إلى معالجة أكثر وضوحاً.

فماذا عن تقديم معلومات كاذبة أو إخفاء وقائع جوهرية بقصد التأثير في الحكم أو إسقاط حق عن الغير؟ وماذا عن التغرير والخداع في العلاقة الزوجية، أو المماطلة المتعمدة في تنفيذ الحقوق، أو التلاعب بالإجراءات لتعطيل علاقة الطفل بأحد والديه؟

والأخطر أن تتحول بعض الدعاوى والدفوع إلى أدوات للمماطلة، كإثارة مسائل تتعلق بالطلاق أو الردة أو المرض أو الاضطراب النفسي، لا لوجود أساس جدي لها، وإنما بقصد تعطيل الخصومة أو كسب الوقت أو التهرب من الالتزامات.

ولا يعني ذلك التشكيك في كل دعوى أو دفع من هذا النوع؛ فقد تكون حقيقية وتستوجب التحقيق والحماية. لكن المشكلة تبدأ عندما يثبت أن الادعاء أُثير بسوء نية واستُخدم للعبث بالخصومة دون جزاء رادع.

فحق التقاضي والدفاع حق مصون، أما إساءة استعمال القضاء فليست حقاً ينبغي حمايته.

الكذب والتغرير ليسا سلوكاً عابراً

العدالة لا تقوم فقط على وجود قاضٍ يصدر الحكم، وإنما على وصول الحقيقة إليه.

وحين يقدم أحد الأطراف معلومات كاذبة أو يخفي وقائع جوهرية، فإنه لا يضلل خصمه فحسب، بل قد يؤثر في تكوين القناعة القضائية ويؤدي إلى قرار مبني على صورة غير صحيحة للواقع.

ولهذا يجب التمييز بين الخطأ أو اختلاف الروايات، وبين الكذب العمدي والتغرير المنظم وتقديم البيانات المضللة بقصد تحقيق منفعة أو الإضرار بالغير. فالأول قد يكون من طبيعة الخصومة، أما الثاني فينبغي أن يكون محل مساءلة متى ثبت القصد والتأثير.

حين يتحول الزمن إلى أداة للإضرار

في قضايا الأسرة قد يكون التأخير حكماً بحد ذاته.

فالطفل الذي يُحرم من رؤية أحد والديه لا يستطيع استرداد أيام طفولته، والأب أو الأم الذي يُمنع من التواصل مع أبنائه لا يعوضه بسهولة موعد لاحق.

ولهذا فإن المماطلة المتعمدة ليست مجرد مسألة إجرائية، بل قد تتحول إلى اعتداء فعلي على الحق، وخاصة في مسائل التواصل والرؤية والاستزارة والمبيت.

فإذا استُخدمت المواعيد والذرائع لتعطيل علاقة الطفل بالطرف الآخر، فإن الضرر يقع أولاً على الطفل، الذي لا ينبغي أن يكون أداة للصراع أو الانتقام.

إخفاء المعلومات الجوهرية قبل الزواج

من المسائل التي تحتاج إلى معالجة دقيقة إخفاء الوقائع الجوهرية التي تؤثر بصورة مباشرة في قرار الزواج.

ولا يعني ذلك انتهاك خصوصية الناس أو تجريم كل مرض أو عيب، فليس كل أمر شخصي موجباً للإفصاح. لكن هناك فرقاً بين الخصوصية المشروعة وبين إخفاء معلومة جوهرية يعلم صاحبها أنها مؤثرة في إرادة الطرف الآخر، ويتعمد كتمانها أو تقديم معلومات مضللة لحمله على الزواج.

وهنا تبرز أهمية حماية سلامة الإرادة والرضا، ووضع معايير واضحة تحدد متى يصبح الإخفاء أو التضليل موجباً للمساءلة.

نحو منظومة جزائية متدرجة

إن تعزيز الحماية الجزائية للأسرة لا يعني تجريم كل خلاف زوجي أو كل تأخير أو كل ادعاء غير صحيح.

فالأسرة تحتاج إلى الصلح والإصلاح، لكن التسامح مع السلوك المتعمد الذي يهدم الحقوق قد يتحول إلى ظلم.

والمطلوب منظومة متدرجة تقوم على ضوابط واضحة، أهمها:

أن يكون الفعل متعمداً لا مجرد خطأ.
أن تكون الواقعة أو المعلومة جوهرية ومؤثرة.أن يثبت قصد التغرير أو الإضرار أو تعطيل الحق.أن يكون الجزاء متدرجاً بحسب جسامة الفعل وتكراره والضرر الناتج عنه.
أن تراعي التدابير مصلحة الطفل والظروف الأسرية.

وقد لا يكون الحبس هو الحل في كثير من الحالات، بل قد تكون الغرامات المتدرجة، والتعويض عن الضرر، والتدابير القضائية التي تمنع تكرار المخالفة أكثر ملاءمة وفعالية.

فالغاية ليست الانتقام، وإنما جعل كلفة العبث بالحقوق الأسرية أعلى من كلفة الالتزام بها.

الحماية الجزائية ضمانة للعدالة

إن حماية الأسرة لا تكون فقط بمنع العنف الجسدي، بل تشمل حماية الحقوق والعلاقات والثقة والإرادة الحرة.

فالاعتداء على الأسرة قد يكون بحرمان الطفل من أحد والديه، أو بالكذب والتغرير، أو بإخفاء حقيقة جوهرية، أو بإطالة النزاع عمداً، أو بإساءة استعمال الدعاوى والدفوع لتعطيل العدالة.

ونحن بحاجة إلى منظومة متكاملة تقوم على:

حق واضح، وإجراء سريع، وقضاء فعال، وتنفيذ ناجز، وجزاء رادع عند التعمد والتكرار.

فوجود جزاءات واضحة عند ثبوت سوء النية يسهم في الحد من الدعاوى الكيدية والدفوع العبثية، وتسريع فصل الخصومات، وتخفيف العبء عن المحاكم.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي منظومة قانونية هو شعور البعض بأن كلفة الكذب والمماطلة أقل من كلفة الالتزام، أو أن بإمكانهم العبث بالحقوق والإجراءات ثم الإفلات من المسؤولية.

لذلك فإن عدم إفلات المسيء من المسؤولية ليس دعوة إلى الإفراط في التجريم، وإنما هو حماية للعدالة، وصيانة لهيبة القضاء، وضمان لأن تكون الخصومة طريقاً للوصول إلى الحق لا وسيلة للهروب منه.

فالأسرة لا تحتاج إلى المزيد من الخصومة، لكنها تحتاج إلى المزيد من الحماية.

ومن يجعل من الكذب والتغرير والمماطلة والخداع وإساءة استعمال الدعاوى والدفوع وسيلة للعبث بحقوق الأسرة، ينبغي أن يجد أمامه قانوناً واضحاً وعادلاً ورادعاً، يحمي الأسرة والطفل والحق والعدالة وهذا يتطلب المعالجة والتفكير خارج الصندوق .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :