facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




مليشيات إعلامية غير منضبطة


البروفيسور يوسف العساف
30-08-2026 12:37 PM

سعدت أمس بلقاء الإعلامي البارز والمخضرم توني خليفة، في حوار جمعنا حول أوجه التعاون لدعم وتمكين المشهد الإعلامي العربي، لكن النقاش سرعان ما تجاوز حدود التعاون الإعلامي إلى سؤال أكبر وأكثر إلحاحًا: ماذا فعل الإعلام الاجتماعي بمجتمعاتنا العربية؟ وكيف تحولت منصات بدأت كأدوات للتواصل وتبادل الآراء إلى قوة اجتماعية هائلة تدخل بيوتنا دون استئذان، وتجلس مع أفراد الأسرة على مائدة الطعام، وترافق أبناءنا إلى غرفهم، وتؤثر في أفكارهم وذوقهم وسلوكهم وطموحاتهم، بل وفي ما نعتبره مقبولًا وطبيعيًا؟ والأخطر أن هذه القوة تمارس تأثيرها أحيانًا من دون الضوابط المهنية والأخلاقية والقانونية التي تحكم الإعلام التقليدي.

ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال: المشكلة ليست في الإعلام الاجتماعي ذاته، ولا في المؤثرين جميعًا، وإنما في قوة تأثير هائلة لا تخضع في بعض صورها لمنظومة واضحة من المسؤولية والمساءلة. وإذا أردنا وصف المشهد بوضوح، فيمكن القول إن جزءًا من الإعلام الاجتماعي وبعض ممارسات المؤثرين فيه أصبح أشبه بـ«مليشيا إعلامية غير منضبطة»؛ قوة كبيرة تمتلك أسلحة التأثير والوصول إلى ملايين العقول، ولكنها لا تعمل دائمًا ضمن هيكل أو قواعد أو تسلسل واضح للمسؤولية. وقد يصبح شخص واحد خلال أشهر أكثر تأثيرًا من مؤسسة إعلامية عريقة، ليس بالضرورة بسبب علمه أو خبرته أو مهنته، وإنما بسبب قدرته على جذب الانتباه.

في الإعلام المهني التقليدي توجد مؤسسات، وقوانين، ومدونات سلوك، ومحررون، ومصادر، وآليات للتحقق، والتصحيح، والمساءلة. قد يخطئ الإعلام المهني، لكنه يعمل في بيئة يعرف فيها الصحفي والمؤسسة أن للكلمة مسؤولية وللخطأ تبعات. ولذلك يمكن تشبيه الإعلام المنضبط بالجيش النظامي: له هيكل، وقواعد، وتسلسل مسؤولية، وقوانين تحكم استخدام قوته.

أما في الفضاء الرقمي، فقد أصبح بإمكان أي شخص تقريبًا أن يتحول إلى مصدر للأخبار أو خبير في الاقتصاد أو الصحة أو التربية أو العلاقات الأسرية لمجرد أنه يمتلك عددًا كبيرًا من المتابعين. وكأن عدد المتابعين أصبح شهادة مهنية، والمشاهدات أصبحت معيارًا للحقيقة، والانتشار أصبح بديلًا عن المصداقية.

والأخطر أن الخوارزميات غالبًا ما تكافئ المحتوى الذي يثير الفضول والجدل والانفعال، لا المحتوى الأكثر عمقًا أو فائدة. ولذلك نشاهد أحيانًا سباقًا نحو الصدمة والاستفزاز، وكشف الخصوصيات، والسخرية، والفضائح؛ لأن ما يثير الناس يحقق مشاهدات أكثر، وما يحقق مشاهدات أكثر يتحول إلى مال وشهرة ونفوذ.

لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها بعض الناس يصورون خلافاتهم العائلية وينشرونها أمام الملايين، ويحولون حياتهم الزوجية وخصوصياتهم إلى مادة للترفيه، ويعرضون أطفالهم في مواقف محرجة من أجل المشاهدات، ويصورون المرضى والحوادث والمآسي الإنسانية بدلًا من احترام خصوصية أصحابها. وهناك من يقدم معلومات طبية أو مالية خطرة وكأنها حقائق بسيطة، ومن ينشر إشاعة لمجرد أنها جذابة، ثم ينتقل آلاف الأشخاص إلى إعادة نشرها قبل أن يسأل أحد: هل هي صحيحة؟

وفي مشهد أكثر خطورة، أصبحنا نرى أحيانًا أن السلوك الذي كان المجتمع يعتبره عيبًا أو تجاوزًا يتحول، عبر التكرار والمشاهدة، إلى وسيلة للشهرة والنجاح. يصبح الاستعراض نموذجًا للثراء، والجدل نموذجًا للشجاعة، والإهانة نموذجًا للجرأة، والابتذال طريقًا إلى الشهرة، وكأن القاعدة الجديدة هي: إذا حصلت على ملايين المشاهدات، فأنت ناجح، بغض النظر عن الطريقة التي وصلت بها إليها.

وهنا لا نتحدث عن المؤثرين جميعًا، ولا عن وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها شرًا. على العكس، هناك آلاف المؤثرين الذين يقدمون المعرفة والتعليم والتوعية، ويدعمون المبادرات الإنسانية والعلمية والمجتمعية، ويستخدمون تأثيرهم بصورة إيجابية ومسؤولة. المشكلة ليست في التأثير، وإنما في التأثير من دون مسؤولية.

الحرية مهمة، وحرية التعبير حق أساسي، لكن الحرية لا تعني غياب المسؤولية، ولا تعني الحق في التشهير، أو التضليل، أو انتهاك الخصوصية، أو تعريض الأطفال للاستغلال، أو نشر معلومات قد تضر بالناس.

لذلك نحتاج إلى إعادة النظر في "منظومة الإعلام الاجتماعي"، ليس بهدف تقييد الإبداع أو خنق حرية التعبير، وإنما بهدف وضع "قواعد للعبة" تتناسب مع حجم التأثير. نحتاج إلى تشريعات واضحة تحدد مسؤولية صناع المحتوى، وتحمي الأطفال، وتواجه التضليل والإعلانات المضللة، وتنظم المحتوى الصحي والمالي، وتحمي الخصوصية والسمعة، وتضع حدودًا واضحة لما يمكن أن يتحول إلى ضرر اجتماعي.

لقد وضعنا قوانين للطرق لأن القيادة غير المنضبطة قد تقتل الإنسان، ووضعنا أنظمة للطيران لأن الخطأ قد يؤدي إلى كارثة، ونظمنا المهن الطبية والهندسية لأن تأثيرها المباشر في حياة الإنسان كبير. فلماذا نترك قوة قادرة على التأثير في ملايين العقول من دون مستوى مماثل من التنظيم والمسؤولية؟

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود محتوى سيئ على الإنترنت، فهذا سيظل موجودًا، وإنما في أن يتحول هذا المحتوى تدريجيًا إلى شيء طبيعي ومقبول. حينها لا نواجه مشكلة إعلامية فقط، بل نواجه تغيرًا عميقًا في منظومة القيم الاجتماعية.

الإعلام الاجتماعي قوة جديدة لا يمكن إلغاؤها، ولا ينبغي إلغاؤها، لكنه يحتاج إلى أن ينتقل من مرحلة «المليشيا غير المنضبطة» إلى «القوة النظامية»؛ قوة حرة ومؤثرة ومبتكرة، ولكنها تعمل داخل القانون، وتحترم القيم، وتحمل مسؤولية تأثيرها.

وإذا لم نضع "القواعد اليوم"، فقد نكتشف غدًا أن المليشيا التي سمحنا لها بدخول بيوتنا لم تكتفِ بتغيير ما نشاهده، بل بدأت تغير ما نؤمن به وما نعتبره طبيعياً.

* رئيس جامعة روشستر الامريكية -دبي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :