في زاوية دافئة من بيت أبي، حيث تتزاحم الذكريات على الجدران وتهمس الحارة القديمة بحكاياتها، طلّت عليّ وجهٌ صغيرٌ يُدعى "سلمى".
لم تكن سلمى مجرد طفلة جاءت برفقة خالتها، بل كانت جسراً رقيقاً عبر بي نحو الماضي، نظرتُ إليها، فرأيتُ في ملامحها وجه صديقة طفولتي، ورأيت حنان أمها يفيض من عينيها الصغيرتين، وكأن الزمان اختصر كل تلك السنوات الطويلة وسكبها في تلك الملامح البريئة، لم أستطع أن أوفّيها حقها بالحديث بلحظتها، فكنت أسرق النظر إليها بين اللحظة والأخرى، أسترجع مع كل نظرة ذكرياتي مع أمها الغالية في أروقة الحارة وزقاقها، حيث امتلأت ضحكاتنا، وجمعاتنا، والأيام التي لا تُنسى.
وحين حانت لحظة الوداع، ووقفنا عند الباب النصف مغلق كي لا نكشف حياء البيت على الشارع، حيث وُلدت المبادرة التي أربكت مشاعري، فتحنا الباب لنودعهم، فإذا بـ "سلمى" تقف بالخارج، وفي يدها الصغيرتين وردة ناعمة قطفتها للتو، مدّت يدها وقالت "هي لكِ".
في تلك اللحظة، لم تكن الوردة مجرد نباتٍ قُطف من الطريق، بل كانت رسالة محبة بلا كلمات، واعترافاً طفولياً بأن الأرواح تتآلف دون مقدمات، تماما كأمها التي تملك براءة الكون في عينينها، وقفتُ عاجزةً عن التعبير، فكل الكلمات تضاءلت أمام صدق لفتتها، ولم أجد ما أرد به على كرم روحها سوى "وعدٍ صادق مني لها" وهو أن أكتب المشاعر التي استودعتها لي في تلك الوردة، وأن أمنح هذا المقال اسمها، ليبقى شاهداً على أن الوفاء والجمال قد يأتيان على هيئة وردة صغيرة، من طفلة اسمها "سلمى"، فشكرا من القلب صغيرتي.