تساوي الفرص بين القرى والبلدات
كامل الروضان
31-08-2026 07:27 PM
لطالما حملت الزيارات الملكية إلى محافظات المملكة، شمالًا وجنوبًا، رسالة واضحة بأن المواطن في القرية والبلدة والمدينة يحظى بالاهتمام نفسه، وأن احتياجاته تستحق أن تُسمع وتُتابع، وأن المشاريع التي تمس حياته اليومية ليست أقل أهمية لأنها تقع بعيدًا عن مراكز المدن.
واللافت في هذه الزيارات، بالإضافة إلى ما تحمله من اهتمام ملكي مباشر بالمواطنين، ما يتبعها من متابعة حثيثة من الديوان الملكي الهاشمي، بتوجيهات مباشرة من جلالة الملك، لتنفيذ ما يتم طرحه من مطالب ومشاريع ذات أولوية.
وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا لا تمتد هذه الروح، التي أرساها التوجه الملكي وتترجمها متابعة الديوان الملكي الهاشمي، إلى مختلف مؤسسات الدولة، بحيث تكون احتياجات المواطنين في كل قرية وبلدة داخل المحافظة موضع استماع ومتابعة بالجدية نفسها؟
ففي المحافظة الواحدة، قد نجد قرى وبلدات متجاورة تتشابه في احتياجاتها، لكن الفارق بينها قد يكون كبيرًا في حجم المشروعات والخدمات وفرص العمل. وقد يكون السبب في ذلك أن صوت بعض المناطق كان أكثر حضورًا، أو أن قدرتها على الوصول إلى المسؤول وصانع القرار كانت أكبر.
والمقصود بالمشروعات هنا ليس مشروعًا يخدم فئة محددة، وإنما الخدمات التي يستفيد منها أبناء القرية أو البلدة جميعًا، مثل إنشاء المدارس أو تطوير القائمة منها، وإنشاء المراكز الخدمية والأندية والملاعب، إلى جانب إتاحة فرص العمل لأبناء المنطقة، ولا سيما الشباب العاطلين عن العمل، وفق أسس واضحة وعادلة، أسوة بما تحظى به قرى وبلدات أخرى من مشروعات وخدمات وفرص.
والأهم من ذلك أن يشعر المواطن بأن فرصته في الحصول على خدمة جيدة أو فرصة عمل لا تتأثر بمكان إقامته، وأن احتياجات قريته وبلدته تُدرس بالمعايير نفسها التي تُدرس بها احتياجات غيرها.
ومن العوامل التي تستحق التوقف عندها ما شهدته المملكة من دمج لعدد من البلديات، حيث انضمت قرى وبلدات صغيرة إلى بلديات أكبر. ورغم ما قد يحققه الدمج من فوائد إدارية، إلا أنه قد يضعف في بعض الحالات حضور المناطق الصغيرة وتمثيلها، خصوصًا عندما تتعدد المناطق والأولويات داخل البلدية الواحدة.
وهذا لا يعني تحميل البلديات أو مسؤوليها المسؤولية؛ فالبلدية تعمل ضمن إمكانات وصلاحيات وموارد محددة. لكن المطلوب هو وجود آلية تضمن وصول احتياجات جميع المناطق إلى الجهات المعنية، وأن تُدرس وفق معايير واضحة وعادلة.
فالعدالة التنموية لا تعني أن تحصل كل قرية على المشروع نفسه، وإنما أن تحصل كل منطقة على ما تحتاجه وفق أولويتها. قد تحتاج قرية صغيرة إلى مدرسة أو مركز صحي أو طريق آمن أو إنارة، بينما تحتاج مدينة أكبر إلى مشروع مختلف. والمقياس العادل هو الحاجة وأثرها على حياة المواطنين، وليس فقط عدد السكان أو قوة الحضور.
ومن هنا، فإن المطلوب هو تطوير آلية دائمة للتواصل مع المواطنين في المحافظات، ترصد احتياجات القرى والبلدات وتتابعها مع الجهات المعنية، بحيث تتحول مطالب المواطنين إلى أولويات واضحة قابلة للمتابعة والتنفيذ.
وقد يكون من المفيد أن تكون في كل محافظة جهة أو فريق متابعة واضح الصلاحيات، يستمع إلى المواطنين، ويرصد احتياجات القرى والبلدات، ويتابعها مع الوزارات والمؤسسات المعنية، ثم يوضح للمواطنين ما تم إنجازه وما هو قيد التنفيذ. وبهذا تتحول المطالب من أحاديث متفرقة إلى أولويات واضحة قابلة للمتابعة.
إن الأردن لا يحتاج إلى توزيع المشاريع بالتساوي الحسابي بين القرى والبلدات، بقدر ما يحتاج إلى توزيع عادل للفرص والاهتمام. فالمساواة الحقيقية لا تعني أن يكون لكل منطقة المشروع نفسه، وإنما أن تكون أمام كل منطقة فرصة عادلة لعرض احتياجاتها، وأن تُقيّم وفق معايير واحدة.
ولعل أجمل ما في الزيارات الملكية للمحافظات أنها تؤكد أن القرى البعيدة ليست خارج دائرة الاهتمام، وأن المواطن أينما كان موقعه يستحق أن يُسمع. وإذا كانت المتابعة الملكية قادرة على تحويل مطالب المواطنين إلى مشاريع ومبادرات تلامس حياتهم، فإن المطلوب أن تصبح هذه الروح جزءًا ثابتًا من العمل المؤسسي اليومي.
فالعدالة بين قرى الأردن وبلداته ليست منافسة على المشاريع، وإنما هي جزء من ثقة المواطن بالدولة. وعندما يشعر المواطن في أصغر قرية أن صوته مسموع، وأن حاجته تُقيّم بالمعيار نفسه الذي تُقيّم به حاجة المواطن في أكبر مدينة، فإننا نعزز شعوره بأن الدولة قريبة منه، وأن التنمية حق مشترك لا يرتبط بمكان أو بحجم أو بقوة الصوت.
الأردن واحد، وقراه وبلداته تستحق فرصًا عادلة في أن تُسمع احتياجاتها، وأن تتحول الأولويات الحقيقية إلى عمل وإنجاز.