facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




لماذا نحب المناصب؟ حين تتحول المسؤولية العامة إلى حق مكتسب


لانا ارناؤوط
31-08-2026 11:36 PM

سؤال يفتح بابًا واسعًا على واحدة من أكثر القضايا حساسية في الإدارة العامة: علاقتنا بالسلطة، وبالموقع، وبالامتيازات التي تأتي معه ، في كل مرة يفتح فيها ملف التعيينات في المواقع العامة، يتكرر السؤال نفسه: لماذا تعود الأسماء ذاتها؟ لماذا نجد بعض الشخصيات تنتقل من موقع إلى آخر، ومن مجلس إلى هيئة، ومن مؤسسة إلى أخرى، وكأن الدولة لا تزال تدور في دائرة محدودة من الأسماء؟ ولماذا يبدو الوصول إلى بعض المواقع العامة أسهل لمن سبق له أن شغل موقعًا عامًا، بينما تقف أعداد كبيرة من الكفاءات الجديدة أمام أبواب مغلقة؟

هذا السؤال عاد بقوة مع التعيينات الأخيرة في مجالس أمناء الجامعات الرسمية، التي أثارت نقاشًا عامًا حول تكرار بعض الأسماء وتقدم أعمار عدد من الشخصيات، مقابل مطالبات بمنح الشباب مساحة أكبر في مواقع صناعة القرار.

لكن من المهم هنا أن نكون منصفين: المشكلة ليست في العمر بحد ذاته، وليست في أن يكون المسؤول كبيرًا في السن فالخبرة ليست عيبًا، والتجربة المتراكمة ثروة وطنية لا يجوز إهدارها ، وليس من المنطقي أن نقول إن الشخص يفقد كفاءته لمجرد أنه تجاوز سنًا معينة.

تبدأ المشكلة عندما تتحول الخبرة إلى احتكار وعندما تصبح مجموعة محددة من الأشخاص هي المصدر الدائم لكل المواقع، يصبح السؤال مشروعًا: هل لا توجد في الأردن كفاءات أخرى؟ هل يعقل أن يبقى إنتاج القيادات الجديدة مؤجلًا إلى أجل غير مسمى؟ وهنا يبرز سؤال ربما يبدو افتراضيًا، لكنه يستحق أن نتوقف عنده طويلًا:
ماذا لو أزلنا أسماء العائلات من بطاقاتنا الشخصية؟

ماذا لو تقدم شخص إلى منصب عام، ولم يكن أمام من يختاره سوى اسمه الأول، وتخصصه، وخبرته، وسجله المهني، وإنجازاته، دون أن يعرف اسم العائلة التي ينتمي إليها؟ هل كانت اختياراتنا ستبقى كما هي؟

ففي دولة المؤسسات، يفترض أن يكون معيار الاختيار هو: ماذا يستطيع هذا الشخص أن يقدم؟ لا: من يعرف؟ ومن أي عائلة جاء؟ وكم مرة شغل منصبًا من قبل؟ وإذا كنا نؤمن فعلًا بأن الكفاءة هي المعيار، فربما لا نحتاج إلى معرفة اسم العائلة أصلًا حتى نقرر من يستحق المنصب.

الجامعة التي يفترض أن تكون مصنعًا للعقول والأفكار والقيادات الجديدة، لا ينبغي أن تبدو في إدارتها وكأنها منفصلة عن فكرة التجديد التي يفترض أن تزرعها في طلبتها ، والأمر لا يتعلق فقط بالشباب بوصفهم فئة عمرية، القضية أكبر من ذلك القضية هي تجديد النخبة الإدارية، وإتاحة الفرصة لمن يمتلك معرفة جديدة، وأفكارًا جديدة، وخبرة في عالم جديد لم يعد يشبه العالم الذي تشكلت فيه الإدارة التقليدية ، اليوم تتحدث الجامعات عن الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، وريادة الأعمال، والجامعات الذكية، والتنافس العالمي، والتحول في سوق العمل ، وهذه كلها قضايا تحتاج إلى عقول تعرف هذا العالم وتعيش تحولاته، لا إلى مجرد إعادة تدوير الخبرة القديمة ، لكن هناك سؤالًا أكثر حساسية يجب ألا نخاف من طرحه:

لماذا نحب المناصب؟ ولماذا يصبح المنصب، في بعض الحالات، شيئًا يصعب التخلي عنه؟

ربما لأن المنصب لا يمنح صاحبه سلطة إدارية فقط، وإنما يمنحه شعورًا بالمكانة، والنفوذ، والحضور، وأحيانًا امتيازات مادية ومعنوية تجعل فكرة المغادرة صعبة ، وهنا تتحول المسؤولية العامة من مهمة مؤقتة لخدمة الدولة إلى ما يشبه الاستحقاق الدائم وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث في الإدارة ، فالموقع العام ليس ملكًا لصاحبه، والكرسي ليس مكافأة أبدية على سنوات الخدمة، والدولة ليست ملزمة بأن تبقي الشخص نفسه داخل دوائر القرار إلى ما لا نهاية فالمسؤولية العامة، في جوهرها، تكليف وليست تشريفًا.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يسبق أي تعيين ليس: من هو الشخص الذي نعرفه؟ ولا: من سبق أن شغل هذا الموقع؟ وإنما: من هو الشخص الأكثر قدرة اليوم على تحقيق الهدف المطلوب من هذا الموقع؟

والسؤال الآخر الذي يجب أن يرافقه: ما الذي سيحصل عليه المجتمع مقابل ما سيدفعه لهذا الموقع من رواتب ومزايا وامتيازات؟ وهنا نصل إلى الجانب الأكثر إيلامًا في القضية في بلد يعاني من تحديات اقتصادية حقيقية، ويواجه عجزًا في الموازنة، ويبلغ معدل البطالة بين الأردنيين 21%، لا يمكن أن يبقى النقاش حول المناصب منفصلًا عن سؤال الكلفة العامة ، المواطن الذي يبحث عن فرصة عمل، والخريج الذي يقف سنوات أمام سوق عمل مغلق، والأسرة التي تحاول أن تواجه ارتفاع تكاليف الحياة، من حقها أن تسأل:
ماذا تقدم المناصب العليا مقابل ما تحصل عليه من المال العام؟

ليس المقصود هنا مهاجمة أصحاب الرواتب المرتفعة لمجرد أنهم يحصلون على رواتب مرتفعة فالراتب المرتفع يمكن أن يكون مبررًا إذا كان يقابله عمل استثنائي، وقرار مسؤول، ونتائج واضحة، وقيمة مضافة للمؤسسة والدولة لكن المشكلة عندما يصبح الراتب المرتفع مرتبطًا بالموقع أكثر من ارتباطه بحجم الإنجاز، نحن بحاجة إلى الانتقال من ثقافة السؤال: "كم يتقاضى هذا المسؤول؟" إلى سؤال أكثر أهمية: "ماذا أنجز مقابل ما يتقاضاه؟" وهذا هو جوهر الإدارة الحديثة ، الموقع العام لا ينبغي أن يكون مكافأة على الماضي، وإنما استثمارًا في المستقبل.

وإذا كان الشخص قد قدم للدولة سنوات طويلة من العمل، فهذا لا يعني أن الدولة مدينة له بموقع جديد إلى الأبد على العكس، قد تكون أعظم خدمة يمكن أن يقدمها المسؤول للدولة هي أن يعرف متى ينسحب، ومتى يترك المجال لجيل جديد، ومتى يتحول من صاحب قرار إلى صاحب خبرة ينقلها للآخرين فالدول لا تتقدم فقط عندما تصنع قيادات ناجحة، وإنما عندما تستطيع إنتاج قيادات جديدة بعد القيادات الناجحة، وهنا تحديدًا تكمن المشكلة.

إذا بقيت المناصب محصورة في دائرة الأسماء نفسها، فمتى سيتعلم الجيل الجديد؟ ومتى سيكتسب الخبرة؟ وكيف سنطالب الشباب لاحقًا بأن يكونوا قادة وهم لم يحصلوا أصلًا على فرصة للجلوس إلى طاولة القرار؟ لا يمكن أن نقول للشباب: "أنتم قادة المستقبل"، ثم نترك المستقبل مؤجلًا إلى أن يصبح حاضرًا قديمًا ، ولا يمكن أن نتحدث عن تمكين الشباب بينما تظل معظم مفاتيح القرار في يد الجيل نفسه ، التمكين الحقيقي ليس مؤتمرًا للشباب، ولا برنامجًا تدريبيًا، ولا شعارًا في خطاب رسمي. التمكين الحقيقي هو أن تقول لشاب أو شابة يمتلكان الكفاءة:

نحن بحاجة إلى تعاقد بين الأجيال ، إلى أن يجلس صاحب الخبرة الطويلة بجانب صاحب المعرفة الجديدة، وأن تنتقل الخبرة بدل أن تتحول إلى ملكية شخصية، وأن يحصل الشباب على الفرصة بدل أن ينتظروا سنوات طويلة حتى يصبحوا هم أنفسهم جزءًا من الحلقة المغلقة.

إن الدولة التي تحترم خبراتها لا تستمر في تدويرها، بل تحول خبرتها إلى معرفة تنتقل إلى الجيل التالي، والدولة التي تحترم شبابها لا تمنحهم المناصب مجاملة، وإنما تضع أمامهم أبواب المنافسة العادلة ، والدولة التي تحترم مالها العام لا تسأل فقط عن اسم من سيشغل الموقع، بل عن تكلفة الموقع، وعن نتائجه، وعن القيمة التي سيضيفها.
ربما حان الوقت إذن لأن نتوقف عن السؤال: من سيحصل على المنصب؟ ونسأل بدلًا من ذلك: لماذا هذا المنصب أصلًا؟

ما الحاجة إليه؟ وما النتائج المطلوبة منه؟ وكيف سنقيس أداء صاحبه؟ ومتى نعرف أن الوقت حان لرحيله؟

فالمجتمع الذي يراقب عدد المناصب فقط قد ينشغل بالأسماء، أما المجتمع الذي يسأل عن وظيفة المنصب ونتائجه فهو الذي يبدأ فعلًا في بناء دولة المؤسسات، وفي النهاية، ربما لا تكون المشكلة في أننا نحب المناصب.

المشكلة الحقيقية أننا أحيانًا ننسى أن المنصب يحب الوطن أكثر مما يحب صاحبه ،وأن الكرسي الذي يجلس عليه المسؤول اليوم، سيجلس عليه شخص آخر غدًا، أما الوطن، فهو الوحيد الذي لا يتغير.






  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :