رؤية التحديث الاقتصادي: الإنجاز موجود… لكن أين الأثر؟
د. حمد الكساسبة
01-09-2026 01:02 PM
بعد أكثر من ثلاث سنوات على بدء تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، لم يعد السؤال الأهم كم مبادرة أُطلقت أو كم مشروعاً أُنجز أو كم تشريعاً عُدّل. السؤال الذي يستحق التوقف اليوم هو: ما الذي تغير فعلياً في الاقتصاد الأردني؟ فالرؤية لم تُطرح باعتبارها برنامجاً إدارياً، بل مشروعاً لنقل الاقتصاد إلى مستوى أعلى من النمو والاستثمار والإنتاجية وخلق فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة.
ومن هذه الزاوية، تبدو الصورة حتى الآن مزدوجة: هناك إنجازات واضحة، وإصلاحات ومشاريع تحركت بالفعل، لكن أثرها الاقتصادي لم يظهر بعد بالقوة التي تجعلنا مطمئنين إلى مسار 2033. وهذه ليست دعوة إلى التقليل مما تحقق، بل إلى الانتقال بالسؤال من حجم الإنجاز إلى حجم الأثر؛ لأن نجاح الرؤية في النهاية لن يُقاس بعدد المبادرات التي أُنجزت، وإنما بمقدار التغيير الذي أحدثته في الاقتصاد وحياة الناس.
فالنمو تحسن، لكنه ما يزال قريباً من نطاقه التقليدي، حول 3% تقريباً، بينما يفترض أن تقود المرحلة الثانية من الرؤية إلى معدلات أعلى وأكثر استدامة. وهنا تكمن المسألة الأساسية: الاقتصاد لا يحتاج فقط إلى الاستمرار في النمو، بل إلى تغيير سرعة النمو نفسها. فكل سنة تمر عند المعدلات التقليدية تجعل السنوات اللاحقة مطالبة بجهد أكبر لتعويض ما لم يتحقق مبكراً.
صحيح أن الاقتصاد واجه خلال السنوات الماضية ظروفاً إقليمية ودولية استثنائية، وأن قدرته على المحافظة على الاستقرار والنمو في مثل هذه البيئة تُحسب له، لكن الرؤية وُضعت أساساً لإحداث انتقال اقتصادي يتجاوز المسار المعتاد. ولهذا فإن القضية لم تعد ما إذا كان الاقتصاد يتحرك، بل ما إذا كان يتحرك بالسرعة التي يحتاجها للوصول إلى أهداف الرؤية ضمن الزمن المتبقي، فالمشكلة ليست أن الاقتصاد لا يتحرك، بل أن الزمن المتبقي للرؤية قد يتحرك أسرع منه إذا لم تتسارع النتائج.
وفي المقابل، تقدم الصادرات واحدة من أكثر الإشارات إيجابية في السنوات الأخيرة. فقد تحسن أداؤها بصورة لافتة، وهو ما يؤكد أن جزءاً مهماً من الاقتصاد الأردني قادر على المنافسة والوصول إلى الأسواق والتوسع خارجياً. وهذه نتيجة تستحق البناء عليها، لا المرور عليها سريعاً. لكنها تطرح في الوقت ذاته سؤالاً مهماً: لماذا لم ينعكس زخم الصادرات بالقوة نفسها على بقية المؤشرات الاقتصادية؟ قد يكون جزء من التحسن متركزاً في قطاعات محددة، وقد تحتاج الاستثمارات الجديدة إلى وقت حتى تتحول إلى إنتاج واسع، كما أن الإصلاح التشريعي والمؤسسي يسبق عادة استجابة الاقتصاد الحقيقي.
لكن المرحلة المقبلة يجب أن تجعل نجاح الصادرات نقطة انطلاق لتوسيع القاعدة الإنتاجية، وربط المصدرين بسلاسل توريد محلية أوسع، وجذب استثمارات جديدة إلى القطاعات التي يمتلك الأردن فيها قدرة حقيقية على المنافسة. فالمطلوب ليس فقط تصدير المزيد، بل أن يصبح التصدير محركاً أوسع للنمو والاستثمار والتشغيل.
ويبقى سوق العمل الاختبار الأكثر التصاقاً بحياة الناس. فرغم أن الاقتصاد يخلق فرص عمل جديدة، فإن البطالة بين الأردنيين ما تزال قريبة من 21%، وهي نسبة مرتفعة لا تسمح بالقول إن التحسن الاقتصادي أصبح محسوساً على نطاق واسع. وهنا تظهر مفارقة تستحق أن تكون في قلب النقاش: كيف تُخلق وظائف جديدة بينما تنخفض البطالة ببطء؟ جزء من الإجابة يرتبط بتزايد الداخلين إلى سوق العمل، وجزء آخر بعدم التوافق بين مهارات الباحثين عن العمل والوظائف المتاحة، إضافة إلى نوعية الوظائف وأجورها وتوزيعها بين المحافظات. وهذا يعني أن سياسة التشغيل لا يمكن أن تبقى منفصلة عن سياسات الاستثمار والتعليم والتدريب.
فإذا كان الاستثمار يتجه إلى قطاعات لا تستوعب الباحثين عن العمل، أو إذا كانت المهارات التي ينتجها التعليم لا تلتقي مع احتياجات القطاعات الجديدة، فقد ينمو الاقتصاد ويخلق وظائف من دون أن يحقق الانخفاض المطلوب في البطالة.
وهنا تظهر الإنتاجية بوصفها الحلقة التي تربط بين النمو والوظائف ومستوى المعيشة. فليس المهم فقط أن يعمل عدد أكبر من الناس، بل أن تصبح الوظيفة نفسها أكثر قدرة على إنتاج قيمة ودخل أعلى. فإذا بقيت إنتاجية العامل والمنشأة محدودة، ستبقى قدرة الشركات على رفع الأجور والتوسع والمنافسة محدودة أيضاً، وسيظل الانتقال إلى نمو أعلى أمراً صعباً.
لذلك فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند: كم وظيفة أوجدنا؟ بل يجب أن يمتد إلى: أي وظائف نخلق، وفي أي قطاعات، وما القيمة التي تضيفها إلى الاقتصاد؟ فالوظيفة التي تنشأ في قطاع قادر على الابتكار والتوسع والتصدير تختلف في أثرها عن وظيفة محدودة الإنتاجية والنمو. ومن هنا تصبح زيادة الإنتاجية شرطاً لرفع الدخل وتحويل النمو من أرقام كلية إلى تحسن اقتصادي يشعر به المواطن.
أما الاستثمار، فهو الوقود الذي يصعب تحقيق التحول من دونه، فالاقتصاد الأردني لا يستطيع الاعتماد على الإنفاق العام وحده لتمويل القفزة المطلوبة، خاصة في ظل القيود المالية المعروفة، ولذلك فإن نجاح المرحلة المقبلة يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الدولة على جذب الاستثمار الخاص وتحويل المشاريع الكبرى من خطط وإعلانات إلى نشاط اقتصادي فعلي. وهنا أيضاً يجب التمييز بين وجود المشروع على الورق ووجود أثره في الاقتصاد.
فالمشروع لا يصنع النمو عندما يُعلن، بل عندما يبدأ التمويل، وتتحرك الأعمال على الأرض، وتُبنى سلاسل التوريد، ويبدأ الإنتاج، وتُخلق فرص العمل. وهذا يجعل سرعة التنفيذ، وإزالة العقبات أمام المستثمر، واستقرار الإجراءات، وقدرة المؤسسات على اتخاذ القرار، عناصر اقتصادية لا تقل أهمية عن حجم المشروع نفسه.
ومن هنا تظهر الحاجة إلى تطوير طريقة متابعة الرؤية، فالسنوات الأولى كانت بطبيعتها سنوات تأسيس: تشريعات وتنظيمات ومنصات ومشاريع في مراحل مختلفة من الإعداد والتنفيذ. وكان من الطبيعي أن يكون جزء كبير من الجهد موجهاً إلى بناء الممكنات التي يحتاجها الاقتصاد. لكن اكتمال الإجراء لا يعني بالضرورة تحقق النتيجة الاقتصادية. ولذلك يجب أن تنتقل المتابعة تدريجياً من سؤال «كم أنجزنا؟» إلى سؤال «ماذا غيّرنا؟».
أي أن يُقاس المشروع بما أضافه إلى النمو، وما حفزه من استثمار، وما خلقه من وظائف مستدامة، وما أحدثه من توسع في الإنتاج والتصدير، وما رفعه من إنتاجية. عندها تصبح نسب الإنجاز ذات معنى اقتصادي، وتتحول المتابعة إلى أداة لاكتشاف ما يعمل وتسريعه، وما يتعثر وتصحيحه، بدلاً من أن تكون مجرد سجل للمبادرات المكتملة.
ولهذا فإن عام 2026 لا ينبغي أن يُعامل كسنة عادية في عمر الرؤية، بل كنقطة انتقال بين مرحلتين. فإذا كانت السنوات الأولى قد خُصصت بدرجة كبيرة لبناء الممكنات، فإن السنوات المقبلة يجب أن تكون مرحلة ظهور العائد الاقتصادي لهذه الممكنات. المطلوب الآن ليس رؤية جديدة ولا عناوين إضافية، بل تسريع المشاريع الأعلى أثراً، وإزالة ما يعطل الاستثمار، وربط التعليم والتدريب بصورة أوثق بسوق العمل، وتوسيع القاعدة الإنتاجية والتصديرية، ووضع الإنتاجية في قلب السياسات الاقتصادية.
والأهم أن تنتقل الأولويات من إدارة قائمة طويلة من المبادرات إلى التركيز على المحركات القادرة فعلاً على تغيير مسار النمو والتشغيل. فنجاح المرحلة المقبلة سيعتمد على عمق الأثر أكثر مما يعتمد على اتساع قائمة المشاريع.
وبعد قراءة مسار السنوات الماضية، لا تبرر الصورة التشاؤم، لكنها لا تسمح بالاطمئنان أيضاً. الصادرات تقدم إشارات جيدة، والنمو يتحسن لكنه يحتاج إلى تسارع، والوظائف تُخلق لكن البطالة ما تزال مرتفعة، والاستثمار أمام اختبار التحول من المشاريع إلى الإنتاج، والإنتاجية تبقى الحلقة الحاسمة.
ولذلك فإن حماية رؤية التحديث الاقتصادي لا تكون بالدفاع عن كل ما أُنجز ولا بالتقليل منه، بل بمراجعة الفجوة بين التنفيذ والأثر قبل أن يضيق الوقت، ففي 2033 لن يكون السؤال كم مبادرة اكتملت أو كم مشروعاً أُعلن، بل هل أصبح الأردن اقتصاداً أكبر وأكثر إنتاجية، ببطالة أقل ودخل وفرص أفضل؟ الاتجاه الذي بدأته الرؤية يمكن البناء عليه، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ما هو أبعد من استمرار التنفيذ؛ تحتاج إلى تسريع أثره. فالتحدي في السنوات المقبلة لم يعد إثبات أن الرؤية تُنفذ، بل إثبات أن التنفيذ يغيّر الاقتصاد.