الوطن أولاً .. والاراضي الأردنية ليست ساحة مباحة لأحد
م. بسام ابو النصر
01-09-2026 04:43 PM
الوطن أهم منا جميعاً، وفوق الخلافات والحسابات السياسية والمذهبية والعرقية. وحين يتعلق الأمر بأرض الوطن وسيادته وأمنه، فإن المعيار يجب أن يكون واضحاً لا لبس فيه: العدو هو كل من يعتدي على أرض الوطن أو ينتهك سيادته، أياً كان دينه أو مذهبه أو عرقه، والشقيق يتحول إلى خصم حين يستبيح الأرض أو المحرمات .
ومن هذا المنطلق، فإن ما يحدث من اعتداءات إيرانية تطال الأراضي الأردنية لا يمكن النظر إليها باعتبارها تفصيلاً هامشياً في صراع إقليمي أكبر، ولا يجوز تبريرها تحت أي عنوان سياسي. القضية الأساسية هنا هي السيادة الأردنية، وهي مبدأ لا يقبل التجزئة ولا يخضع للمساومة.
قد يقول البعض إن وجود قوات أمريكية في الأردن يجعل المملكة طرفاً في الصراع، أو يمنح إيران مبرراً لاستهداف الأراضي الأردنية. لكن هذا المنطق يتجاهل حقيقة جوهرية، وجود القوات الأجنبية في الأردن مرتبط باتفاقيات وترتيبات سابقة، كما أن الأردن أعلن موقفه بوضوح بأنه لا يسمح باستخدام أراضيه منصة انطلاق للاعتداء على أي دولة.
وبالتالي، فإن وجود قوات أمريكية على الأراضي الأردنية لا يمنح أي طرف الحق في استهداف الأردن، ما دامت الأراضي الأردنية لا تُستخدم قاعدةً لشن اعتداء على إيران. الخلاف مع الولايات المتحدة شيء، وانتهاك السيادة الأردنية شيء آخر تماماً. ومن غير المنطقي أن يصبح الأردن، لمجرد وجود قوات أجنبية على أراضيه، هدفاً مشروعاً في نظر أي دولة.
لقد كان الموقف الأردني واضحاً في هذه المسألة، الأردن ليس طرفاً في حرب الآخرين، ولن يسمح بتحويل أراضيه أو أجوائه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
ولسنوات، كان هناك من يتعاطف مع إيران عندما كانت ترفع شعار مواجهة إسرائيل، باعتبار أن إسرائيل عدو مشترك يفترض أن يقف العرب وإيران في مواجهته. وكان من الطبيعي أن ينظر البعض إلى الصراع الإيراني الإسرائيلي من زاوية مقاومة إسرائيل وسياساتها العدوانية في المنطقة.
لكن الأحداث الأخيرة فرضت علينا أن نعيد النظر في كثير من المسلمات.
فحين تُستخدم الأجواء أو الأراضي الأردنية في سياق عمليات عسكرية إقليمية، يصبح السؤال مشروعاً،أين تبدأ المواجهة مع إسرائيل وأين تنتهي؟ وهل يمكن أن تتحول دول المنطقة، ومنها الأردن، إلى مجرد ساحات مفتوحة تتبادل القوى المتصارعة من خلالها الرسائل والصواريخ، بينما يدفع المواطن الأردني ثمن هذه الصراعات؟
الأردن ليس ساحة حرب لأحد، ولا ينبغي أن يكون ممراً لصراعات الآخرين، ولا منصةً لضرب الآخرين، ولا هدفاً لردود الفعل الناتجة عن تلك الصراعات.
ومن الخطير كذلك أن ننظر إلى المنطقة بمنطق الأبيض والأسود؛ فليس كل من يرفع شعار مقاومة إسرائيل حليفاً، وليس كل من يختلف مع إيران عدواً لإيران، وليس كل ما يقال عن التحالفات الإقليمية يعكس بالضرورة حقيقة ما يجري خلف الكواليس.
هناك مصالح متشابكة، واتصالات غير معلنة، وحسابات دولية وإقليمية معقدة، وهذا يجعل من الضروري التعامل مع الأخبار والاتهامات المتعلقة بوجود تفاهمات أو صفقات بين أطراف مختلفة بحذر شديد. لا يمكن الجزم بوجود اتفاقات سرية من دون أدلة واضحة، لكن من حق الشعوب أن تتساءل عن المستفيد من استمرار الفوضى، وعن القوى التي تجد مصلحتها في إبقاء المنطقة غارقة في الصراعات.
فالمنطقة لم تعد تعاني من حرب واحدة، بل من شبكة متداخلة من الحروب والنفوذ والرسائل المتبادلة، وكل دولة تحاول حماية مصالحها أو توسيع نفوذها على حساب استقرار الآخرين. وفي وسط هذه الفوضى، يصبح الأردن مطالباً بأن يحمي حدوده وسيادته وأمن مواطنيه، وأن يرفض بوضوح أن يكون جزءاً من لعبة المحاور.
ليس المطلوب من الأردني أن يختار بين إيران وأمريكا أو بين هذا المحور هذا أو ذاك. المطلوب أن نختار الاردن في كل ما يمكن ان يتوفر لدينا من معلومات فوطننا هو هويتنا ولا يجوز ان نفرط بذرة من طهره وامنه واستقراره.
نحن لا نحتاج إلى استيراد خصومات الآخرين، ولا إلى تحويل مشاعرنا تجاه القضية الفلسطينية أو رفضنا للاحتلال الإسرائيلي إلى مبرر للصمت عن أي اعتداء آخر يقع على بلدنا. فلسطين قضية عادلة، ورفض الاحتلال موقف مبدئي، لكن ذلك لا يعني أن نقبل بانتهاك سيادة الأردن من أي طرف كان.
فالسيادة لا تتجزأ، والاحتلال مرفوض، والعدوان مرفوض، أياً كان مصدره.
وإذا كان من حق إيران أن تدافع عن نفسها، فمن حق الأردن أيضاً أن يدافع عن نفسه. وإذا كان من حق أي دولة حماية أمنها، فمن حق الأردن أن يحمي سماءه وأرضه وشعبه.
لقد آن الأوان لأن ندرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تصبح أراضي الدول العربية مجرد رقعة جغرافية تتصارع فوقها القوى الإقليمية والدولية، بينما يبقى أهلها وحدهم من يدفع الثمن.
الأردن أولاً لا تعني الانعزال عن قضايا الأمة، ولا تعني التخلي عن فلسطين، ولا تعني الوقوف مع طرف ضد آخر. إنها تعني ببساطة أن أمن الأردن وسيادته ليسا موضوعاً للمساومة.
ومن يعتدي على الأردن، أياً كان اسمه أو شعاره أو مذهبه، فهو معتدٍ.
ومن يحترم الأردن وسيادته وأمنه، فهو يحترم حق هذا البلد في أن يعيش آمناً مستقلاً، بعيداً عن حروب المحاور وصراعات النفوذ.
في النهاية، قد تختلف الدول وتتصالح، وقد تتغير التحالفات وتتبدل المصالح، لكن الوطن يبقى. ولهذا يجب أن يكون الموقف الأردني واضحاً وثابتاً: لا تحويل للأردن إلى ساحة حرب، لا استخدام لأراضيه للاعتداء على الآخرين، ولا قبول بأن يكون هدفاً لاعتداءات الآخرين.
فالوطن أهم منا جميعاً، والسيادة الأردنية خط أحمر لا ينبغي أن يتجاوزه أحد.