دولة الرئيس… فاتورة الطاقة تهزم حوافز الاستثمار في العقبة .. !!
أسامة ابو طالب
02-09-2026 05:33 PM
في العقبة، نستقبل المستثمر كما يليق بمدينة اقتصادية خاصة: مؤتمر، عرض تقديمي، حديث طويل عن الفرص والحوافز والتحول الأخضر… ثم نترك فاتورة الكهرباء والمياه تتولى بقية مراسم الاستقبال!
والمفارقة أن الفاتورة لا تحتاج إلى دراسة جدوى، ولا تنتظر موسمًا سياحيًا، ولا تتأثر بانخفاض الإشغال؛ فهي تصل في موعدها، بكامل نشاطها، حتى عندما يكون السوق نفسه في إجازة.
يفتح المستثمر الفاتورة، فيكتشف أن الكهرباء والمياه سبقتا الرواتب والضمان والضرائب والإيجارات إلى إيراد الشهر. عندها يفهم أن السؤال لم يعد: كم سيربح المشروع؟ بل: كم يستطيع الصمود؟
المشكلة لا تخص أصحاب الاستثمارات الكبرى وحدهم؛ فهي تبدأ من شقة سكنية قد تتراوح فاتورتها، وفق حالات واقعية في العقبة، بين 100 و150 دينارًا شهريًا، وتمتد إلى متجر أو سوبر ماركت صغير قد يدفع بين 3 و4 آلاف دينار، ومصنع صغير تقترب فاتورته من 5 آلاف دينار.
وفي القطاع الفندقي، تشير نماذج ميدانية قابلة للتوثيق إلى فواتير تتراوح بين 6 و8 آلاف دينار شهريًا لفندق من فئة ثلاث نجوم، وقد تصل إلى 100–120 ألف دينار في فندق خمس نجوم يضم ما بين 100 و150 غرفة، بحسب حجم المرافق والموسم ونسبة الإشغال وطبيعة التشغيل.
هذه ليست متوسطات رسمية نعممها على الجميع، لكنها أرقام حقيقية تستحق أن تُدرس، لا أن تُواجَه بإجابة محفوظة عن التعرفة. وأنا مستعد لتزويد الجهات المعنية بفواتير موثقة ودراسة تفصيلية، مع حجب أسماء المشتركين وبياناتهم، حتى ننتقل من لعبة الانطباعات إلى لغة الأرقام.
فالمشكلة ليست في سعر الكيلوواط وحده، بل في *العبء الفعلي للفاتورة*: الاستهلاك، والحمل الأقصى، والرسوم، والبدلات، واستخدام الشبكة، والمياه، والصرف الصحي، وطريقة احتساب الطاقة المتجددة.
قد تبقى التعرفة الأساسية ثابتة على الورق، بينما ترتفع الكلفة النهائية أو تتراجع قدرة المنشأة على تخفيضها. والفاتورة، للأسف، لا تقرأ البيانات الصحفية؛ إنها تكتفي بقراءة العداد.
عالميًا، أظهر تحليل نشرته شركة CBRE عام 2024 أن الكهرباء والغاز شكّلا نحو 2.4% من إجمالي إيرادات الفنادق في السوق محل الدراسة، وأن أسعار الكهرباء ارتفعت بأكثر من 20% خلال أربع سنوات.
أما في العقبة، فلا يجوز نسخ هذه النسبة ولصقها؛ فالتكييف هنا ليس خدمة إضافية، بل شريك دائم في المنزل والفندق والمطعم والمتجر. كما تستمر المضخات والمصاعد والتبريد والمطابخ والمغاسل وتسخين المياه في العمل، حتى عندما ينخفض الإشغال وتتراجع الإيرادات.
وفي بعض الحالات الميدانية، قد تتجاوز كلفة الطاقة والمياه 22% من المصاريف التشغيلية للمنشأة. وهذه ليست نسبة رسمية للقطاع كله، لكنها جرس إنذار يستحق دراسة حكومية مستقلة، لا مسابقة في نفي المشكلة.
ثم قيل للمواطن والمستثمر: وفّرا في الاستهلاك واتجها إلى الشمس.
اتجهنا إلى الشمس، ودفعنا كلفة الأنظمة، ثم وجدنا أنفسنا نحتاج إلى خبير قانوني، ومهندس كهرباء، ومحاسب، وربما مترجم، حتى نفهم صافي القياس، والتصدير الصفري، والعبور، وقيمة الطاقة المصدّرة، وبدلات استخدام الشبكة!
فبعد صدور القانون المعدل لقانون الطاقة المتجددة وترشيد الطاقة رقم 12 لسنة 2024، ونظام تنظيم ربط منشآت مصادر الطاقة المتجددة رقم 58 لسنة 2024، أصبحت الجدوى الاقتصادية مرتبطة بتفاصيل وآليات أكثر تعقيدًا.
تنظيم القطاع وحماية الشبكة أمران ضروريان، لكن التنظيم الذي يجعل المواطن أو المستثمر يسأل: «هل ما زالت الشمس مجدية؟» يحتاج إلى مراجعة. فالغاية من التشريع ليست فقط إدارة الشبكة، بل توجيه الاستثمار وحماية الثقة في التحول الأخضر.
المستثمر قد يتحمل كلفة مرتفعة يعرفها مسبقًا، لكنه لا يستطيع بناء دراسة جدوى على قواعد تتغير بعد أن يشتري النظام ويدفع ثمنه. فالاستثمار لا يخشى الكلفة وحدها؛ بل يخشى المفاجآت أكثر.
العقبة ليست مدينة عادية. إنها منطقة اقتصادية خاصة وبوابة للسياحة والتجارة والاستثمار والخدمات اللوجستية. والصفة الخاصة يجب ألا تبقى مكتوبة على اللوحات والوثائق، بل يجب أن تظهر في كلفة التشغيل وقدرة المنشأة على المنافسة.
فالمستثمر لا يضع صور المؤتمرات في دراسته المالية، ولا يحتسب كلمات الترحيب ضمن الإيرادات. هو يقارن صافي العائد وكلفة التشغيل واستقرار التشريعات. وإذا التهمت الكهرباء والمياه هامش الربح، فلن تحتاج العقبة إلى جهة تطرد المستثمر؛ ستتكفل الفاتورة بالمهمة.
والأثر لا يتوقف عند المنشأة؛ فارتفاع كلفة الطاقة يدخل في قرار المستثمر بعدم التوسع، وقرار التاجر بتقليص العمالة، وقرار المصنع بتجميد الإنتاج، ثم ينتقل إلى أسعار الغرف والوجبات والسلع والخدمات.
وهكذا يدفع المواطن مرتين: مرة عندما يسدد فاتورته المنزلية، ومرة عندما يدفع الزيادة التي نقلتها المنشآت إلى أسعارها.
لكن الهدف ليس الشكوى، بل وضع حلول قابلة للقرار على طاولة رئيس الوزراء.
أول هذه الحلول إعداد تراعي المناخ الحار وموسمية القطاعات ودور المدينة الاقتصادي. وهذه لم تعد رفاهية أو امتيازًا، بل ضرورة حتمييه لحماية الاستثمار القائم وفرص العمل ومستوى معيشة المواطنين.
ويمكن تصميمها كتعرفة تنموية مرتبطة بكفاءة الاستهلاك، وعدد الوظائف التي تحافظ عليها المنشأة، وطبيعة نشاطها؛ حتى تكون أداة لتحفيز الإنتاج والتشغيل، لا دعمًا مفتوحًا.
أما الحل الثاني، فهو إنشاء > بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، لتغطية احتياجات المشروعات الكبرى والمتوسطة والصغيرة، خصوصًا التي لا تمتلك مساحات مناسبة لتركيب أنظمة مستقلة.
وتُوزع الطاقة على المنشآت وفق عقود طويلة الأجل وآلية احتساب واضحة، مع تعرفة خاصة للعبور واستخدام الشبكة تضمن بقاء المشروع مجديًا. ويمكن تخصيص حصة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وربط الاستفادة بالمحافظة على العمالة ورفع كفاءة الاستهلاك.
ولا نحتاج إلى انتظار مشروع عملاق؛ يمكن البدء بحقل تجريبي يخدم مجموعة من الفنادق والمصانع والمتاجر، ثم قياس أثره في الفاتورة والأسعار والتوظيف والاستثمار قبل التوسع.
كما أقترح أن يوجّه رئيس الوزراء بتشكيل فريق وطني مصغر، لمدة لا تتجاوز تسعين يومًا، لإعداد دراسة العبء الحقيقي، وتصميم التعرفة الخاصة، ووضع النموذج المالي والفني للحقول الشمسية، ومراجعة بدلات الشبكة والعبور.
هذه ليست دعوة لتخفيض الفاتورة على حساب الخزينة، بل لاحتساب الكلفة الاقتصادية كاملة. فما قد تتنازل عنه الدولة في جزء من التعرفة، قد تستعيده من بقاء المنشآت وتوسع الاستثمار وزيادة الوظائف والإيرادات الضريبية.
ونضع هذا الملف على طاولة رئيس الوزراء؛ لأن العقبة لا تحتاج إلى تشخيص جديد بقدر حاجتها إلى قرار.
فإذا كانت العقبة بوابة الأردن الاقتصادية، فلا يجوز أن تكون فاتورة الطاقة هي الموظف الأكثر كفاءة في إغلاق هذه البوابة.