انتخابات إسرائيل 2026 .. هل يسقط نتنياهو أم يسقط معه رهان اليمين؟
د. محمد خالد العزام
02-09-2026 05:44 PM
تدخل إسرائيل انتخابات الكنيست المقبلة وهي تحمل على كتفيها أثقال سنوات من الحروب والانقسامات، وكأن صندوق الاقتراع هذه المرة لن يكون مجرد صندوق لاختيار أعضاء الكنيست، بل صندوقاً لاختيار وجه إسرائيل القادم.
فالانتخابات المقررة في 27 تشرين الأول 2026 تأتي في أعقاب زلزال السابع من أكتوبر، والحروب التي امتدت إلى غزة ولبنان وإيران، وفي ظل صعود غير مسبوق للتيار اليميني والديني المتشدد داخل المجتمع الإسرائيلي. ولذلك فإن السؤال الأكبر لم يعد فقط: من سيحكم إسرائيل؟ بل: أي إسرائيل ستخرج من هذه الانتخابات؟
يقف بنيامين نتنياهو أمام معركة قد تكون الأصعب في مسيرته السياسية. فالليكود ما يزال يمتلك ثقلاً انتخابياً، وحلفاؤه من اليمين المتطرف والأحزاب الدينية يشكلون كتلة مؤثرة، لكن خصومه بدأوا يجمعون صفوفهم سعياً لإبعاده عن رئاسة الحكومة.
وفي الجهة المقابلة يظهر نفتالي بينت ويائير لابيد بتحالف انتخابي جديد، فيما يدخل رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت المنافسة من بوابة حزب «يشار»، مستنداً إلى مجموعة من القيادات العسكرية والأمنية والاقتصادية. وهنا تكمن المفارقة؛ فالمنافسة على نتنياهو لا تأتي بالضرورة من خارج المشروع الصهيوني، وإنما من داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها.
أما اليسار الصهيوني، الذي كان ذات يوم أحد أعمدة السياسة الإسرائيلية، فقد أصبح ظلاً باهتاً في المشهد، محاولاً استعادة حضوره من خلال تحالف «الديمقراطيين». وفي المقابل، تبقى الأحزاب العربية رقماً مهماً في المعادلة، خصوصاً إذا نجحت في خوض الانتخابات بقائمة موحدة.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن المعركة ستكون شديدة التقارب، وأن كتلة نتنياهو قد تجد نفسها دون الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل الحكومة، بينما تحاول القوى المناوئة له الوصول إلى هذه العتبة. وهنا يصبح المقعد الواحد أثقل من جبل، وقد تتحول الأحزاب الصغيرة إلى مفاتيح تفتح أبواب الحكومة أو تغلقها.
لكن علينا ألا نخلط بين سقوط نتنياهو وسقوط سياساته.
فحتى كثير من خصومه يتحركون داخل الإطار الصهيوني ذاته، ولا يقدمون بالضرورة رؤية مختلفة جذرياً تجاه القضية الفلسطينية أو الاستيطان أو الأراضي المحتلة. وقد يتغير رئيس الحكومة، لكن تبقى المؤسسة السياسية والأمنية التي صنعت السياسات ذاتها.
وهنا تكمن أهمية الانتخابات بالنسبة إلى المنطقة العربية. فالمطلوب ليس فقط تغيير وجه في مكتب رئيس الوزراء، وإنما تغيير المسار الذي جعل المنطقة تعيش على وقع الحروب، وجعل القوة العسكرية تتقدم على السياسة، والاستيطان يتقدم على السلام، والجدران تتقدم على جسور الحوار.
وتبقى غزة أول اختبار حقيقي لأي حكومة إسرائيلية جديدة. فالقطاع خرج من سنوات الحرب محملاً بدمار هائل وملفات سياسية وأمنية معقدة، ولن يكون من السهل الانتقال من لغة الحرب إلى لغة إعادة الإعمار والسلام. وقد تفتح الانتخابات، إذا أفرزت قيادة أكثر براغماتية، نافذة أمام تثبيت وقف إطلاق النار، وإعادة الإعمار، وترتيبات أمنية وسياسية جديدة، لكن استمرار النهج العسكري قد يبقي غزة في دائرة النار، ويجعل الهدوء مجرد استراحة بين حربين.
أما لبنان، فقد أصبح جزءاً من المعادلة الإقليمية الأوسع، ولم يعد الصراع على الحدود الجنوبية منفصلاً عن العلاقة بين إسرائيل وإيران ودور حزب الله. ولذلك فإن الحكومة الإسرائيلية المقبلة ستكون أمام خيارين: إما البحث عن ترتيبات أمنية طويلة الأمد تعيد الهدوء إلى الجبهة الشمالية، أو مواصلة سياسة الردع والقوة، بما قد يبقي المنطقة أمام احتمال تجدد المواجهة. ويبقى استقرار لبنان مرتبطاً بقدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها في قرار الحرب والسلم، وبإيجاد تفاهمات إقليمية تخفف من احتمالات الانفجار.
أما فلسطين، فستظل مفتاح أي سلام حقيقي في المنطقة. وحتى لو غاب نتنياهو عن المشهد، فإن تغيير الحكومة لا يعني تلقائياً اعترافاً بالدولة الفلسطينية أو توقفاً للاستيطان والضم. وهنا تكمن المعضلة الكبرى؛ إذ يمكن لإسرائيل أن تغير حكومتها، لكنها لن تستطيع تغيير جغرافيا المنطقة أو تجاوز القضية الفلسطينية. فكل محاولة لإقامة شرق أوسط جديد دون حل عادل للقضية الفلسطينية ستظل كمن يبني بيتاً فوق أرض متحركة.
أما إيران، فستبقى حاضرة بقوة في حسابات الحكومة الإسرائيلية المقبلة، بعدما تحولت المواجهة معها إلى أحد أبرز عناوين الأمن الإقليمي. والسؤال الذي سيواجه القيادة الجديدة هو: هل تستمر في سياسة المواجهة المفتوحة، أم تنتقل إلى سياسة الردع والاحتواء والتفاوض غير المباشر؟ وإذا اختارت إسرائيل والولايات المتحدة مسار التهدئة، فقد نكون أمام إعادة ترتيب للعلاقات الإقليمية، أما إذا استمر التصعيد، فقد تدخل المنطقة في مرحلة جديدة من سباق النفوذ والقوة.
ومن هنا، فإن نتائج الانتخابات الإسرائيلية قد لا ترسم فقط شكل الحكومة المقبلة، وإنما قد تسهم في رسم ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط. فإذا جاءت حكومة أكثر براغماتية، فقد تكون هناك فرصة لفتح مسارات سياسية في غزة ولبنان وفلسطين، وتهدئة التوتر مع إيران، وإعادة الاعتبار للدبلوماسية بعد سنوات جعلت فيها المدافع صوتها أعلى من صوت السياسة.
لكن السيناريو الآخر يبقى قائماً؛ فإذا بقي اليمين المتشدد ممسكاً بمفاصل القرار، فقد نشهد استمرار الاستيطان والتصعيد، وربما إعادة تشكيل لخارطة النفوذ في المنطقة عبر التحالفات والقوة العسكرية، لا عبر الاتفاقات والسلام.
إن انتخابات إسرائيل 2026 قد تكون لحظة فاصلة، لكنها ليست عصاً سحرية. وقد يكون سقوط حكومة اليمين المتطرف بداية لفتح نافذة سياسية جديدة، لكنه لن يكون كافياً وحده لصناعة السلام.
فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى تغيير أسماء فقط، بل يحتاج إلى تغيير قواعد اللعبة.
وفي النهاية، ستبقى صناديق الاقتراع الإسرائيلية مفتوحة على أكثر من احتمال: عودة نتنياهو، أو ولادة حكومة جديدة، أو الدخول في أزمة ائتلافية جديدة. لكن الثابت أن هذه الانتخابات لن تكون شأناً إسرائيلياً داخلياً فقط؛ فما سيخرج من صناديق الكنيست سيصل صداه إلى غزة والضفة الغربية ولبنان وإيران، وربما يرسم جزءاً من ملامح الشرق الأوسط كله.
وقد يكون السؤال الذي ستطرحه المنطقة بعد إعلان النتائج أكبر من سؤال من فاز ومن خسر: هل ستفتح إسرائيل صفحة جديدة مع جيرانها، أم ستفتح المنطقة صفحة جديدة من الصراع؟
ففي هذه الانتخابات، لا يتنافس الإسرائيليون على مقاعد الكنيست فقط، بل يتنافسون على تعريف اليوم التالي للحرب، وعلى شكل المنطقة التي ستولد من رحم هذا الصراع.
وربما يكون السؤال الأصعب: هل تستطيع إسرائيل أن تغيّر حكومتها دون أن تغيّر طريقها؟
فإن تغير الطريق، فقد تكون الانتخابات بداية لمسار سياسي يفتح أبواب السلام، وإن بقي الطريق ذاته، فقد لا يتغير الشرق الأوسط بالسلام، بل تتغير خارطته تحت ضغط الحروب والتحالفات وموازين القوة.
والأمل أن تكون صناديق الاقتراع بداية لمرحلة تتقدم فيها السياسة على الحرب، ويصبح السلام مشروعاً حقيقياً لا مجرد هدنة مؤقتة، وأن تدرك شعوب المنطقة أن الجغرافيا قد تتغير، والتحالفات قد تتبدل، لكن السلام وحده هو القادر على أن يمنح هذه المنطقة مستقبلاً لا يشبه ماضيها.