في خطوة تحمل دلالات استراتيجية بالغة العمق، أعلن الديوان الملكي الهاشمي اليوم، الثاني من ايلول / سبتمبر 2026 تعيين اللواء الركن مجدي الحراسيس رئيساً لهيئة الأركان المشتركة خلفاً للفريق يوسف الحنيطي، في مشهد يؤكد أن القيادة الأردنية لا تتعامل مع التغييرات العسكرية كإجراء إداري، بل كأداة لمواكبة تحولات جيوسياسية تفرض نفسها بقوة.
رؤية ملكية ثاقبة: من تفوق الأجواء إلى أولوية الاستخبارات
اختيار الحنيطي قبل نحو ٧ سنوات كان يعكس قراءة استشرافية عميقة من الملك عبدالله الثاني؛ إذ أدرك حينها أن الحروب القادمة ستُحسم بالتفوق الجوي والصواريخ والمسيرات، لا بالمواجهات البرية التقليدية. وهذا ما أثبتته الحروب الأخيرة في المنطقة، حيث أصبح سلاح الجو والدفاع الجوي هما خط الدفاع الأول. لكن التحول في طبيعة التهديدات اليوم، والتي تحمل طابعاً وجودياً يتعلق باختراق الأمن الداخلي وتفكيك النسيج الوطني وتوظيف الميليشيات، جعل الأولوية لرجل استخبارات من طراز الحراسيس؛ قائد يمتلك "عدسة" قادرة على قراءة ما يحدث خلف الكواليس، والتنبؤ بحركة التهديدات قبل وصولها إلى الحدود.
توقيت استراتيجي: ما بين "كرسي نتنياهو" و"ملفات إيران"
لا يمكن فصل هذه الخطوة عن توقيتها الحساس. فمع اقتراب انتخابات الكنيست الإسرائيلية في 27 تشرين الاول/ أكتوبر 2026، تترقب عمان سيناريوهين متقابلين: إما بقاء نتنياهو وعصابته بن غفير وسموتريتش، والذي قد يدفع نحو تصعيد شامل في الضفة وخطر التهجير ، أو رحيله ووصول معسكر "آيزنكوت" الذي يعد بمراجعات جديدة. هذا الارتباك الإسرائيلي، من جهة، يقابله تصعيد أمريكي-إيراني متصاعد بعد ضربات لارك، تدفع فيه واشنطن نحو مواجهة أشمل بعد انتخاباتها النصفية، والتي طالما جعلت إيران ورقة سياسية داخلية أمريكية.
في هذا المشهد المزدحم، تضع الملكية الأردنية نفسها أمام متغيرات "وجودية"؛ فالمملكة اعترضت مؤخراً ٢١ صواريخا باليستيا إيرانيا ، سبقها في الأشهر الماضية ٤٠٠ صاروخ ، مما يجعلها في مرمى النار مباشرة. هنا تظهر حكمة الاختيار: الحراسيس، بخبرته في ملفات التهديدات المعقدة والمراجعات الاستراتيجية، سيحمل ملف "استباق" التهديدات خلال فترة يشهد فيها الإقليم سقوطاً أو بقاءً للقادة السياسيين في تل أبيب وواشنطن.
خلاصة القرار
ما بين الحنيطي (قائد الطيران) والحراسيس (قائد الاستخبارات)، تصوغ المؤسسة العسكرية الأردنية مذهبها الدفاعي الجديد: من مواجهة التهديدات "الصريحة" في السماء، إلى تفكيك "المخاطر الصامتة" في الداخل والعمق. إنها استجابة ديناميكية من "المؤسسة الارتكازية" للدولة، تؤكد أن عمان قررت ألا تترك مصيرها رهينة لنتائج صناديق الاقتراع أو لضغوط القوى العظمى، بل تبني جيشاً يملك الأدوات والعقلية اللازمة لعبور أخطر مرحلة في تاريخ الأردن الحديث، بعقلية "الاستخبارات الوقائية" لا "الرد الانفعالي".
* الخبير بالشؤون الاسرائيلية