facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




رسالة الملك إلى رئيس الأركان: عندما تتحول التوجيهات إلى مشروع عسكري للمستقبل


صالح الشرّاب العبادي
03-09-2026 11:17 AM

ليست الرسالة الملكية التي وجهها جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه ، القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة المكلف ، رسالة تهنئة أو مباركة لتعيين مسؤول جديد، وإنما هي وثيقة توجيه تحدد ملامح مرحلة مقبلة في مسيرة القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي.

فالرسالة تحمل في مضمونها أكثر من تكليف شخصي؛ إنها ترسم مجموعة واضحة من الأولويات التي يمكن أن تحدد شكل التطوير العسكري الأردني خلال السنوات المقبلة ، وقد جاءت عبارات جلالة الملك مباشرة في تحديد هذه الأولويات: إعادة الهيكلة الفنية والبشرية النوعية ، تطوير الإمكانيات، تحديث الأدوات، مواجهة التهديدات المستجدة، رفع الكفاءة والجاهزية، وبناء قدرات الضباط وضباط الصف والأفراد.

وهذه العناوين مجتمعة تعكس توجهاً نحو تطوير المؤسسة العسكرية بما يتناسب مع التحولات الكبيرة التي طرأت على طبيعة الصراعات والتهديدات في المنطقة والعالم.

إعادة الهيكلة تعني عملياً مراجعة بنية القوات المسلحة البشرية والفنية التكاملية التي تستطيع تنفيذ مهامها بحرفية وسرعة واقتدار ، تنفيذ أدوارها وانتشارها وآليات عملها، بما يجعلها أكثر قدرة على الاستجابة للبيئة الأمنية المتغيرة ، فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد على القوة التقليدية وحدها، وإنما أصبحت تقوم بدرجة كبيرة على سرعة اكتشاف التهديد،والتنسيق ، ودقة المعلومات، وسرعة اتخاذ القرار، والقدرة على الاستجابة خلال ثوانٍ أو دقائق.

ومن هنا يصبح تطوير منظومات القيادة والسيطرة والاستخبارات والإنذار المبكر جزءاً أساسياً من عملية إعادة البناء والتحديث، إلى جانب تعزيز التكامل بين مختلف صنوف القوات المسلحة.

أما تحديث أدوات الجيش، فهي عبارة تحمل بعداً تقنياً واسعاً ، فالمقصود لا يقتصر على شراء معدات أو أسلحة جديدة، وإنما بناء منظومة عسكرية متكاملة قادرة على التعامل مع أنماط التهديد الحديثة، بما فيها الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والتهديدات السيبرانية، والأنظمة غير المأهولة، والذكاء الاصطناعي، والصواريخ، وتكامل المعلومات والاستشعار والاتصالات ، وتطوير قواعد الاشتباك بما يتناسب التهديدات المحتملة.. و والمتوقعة ..

لقد تغيرت طبيعة الحرب نفسها. وأصبحت الأفضلية في كثير من الأحيان لمن يمتلك القدرة على اكتشاف التهديد أولاً، وتحليل المعلومات أسرع، واتخاذ القرار بدقة، وربط مختلف عناصر القوة في منظومة واحدة ، وعمليات التعاون الاستخباراتي المحلي والاقليمي والدولي، ولذلك فإن المعركة الحديثة تتجه بصورة متزايدة من مواجهة سلاح بسلاح إلى مواجهة منظومات متكاملة بمنظومات متكاملة.

وفي هذا السياق تأتي رفع الجاهزية باعتبارها نتيجة مباشرة لكل عمليات التطوير ، فالجاهزية لا تتحقق بالخطط وحدها، وإنما بالتدريب المستمر، والتمارين الواقعية، وسرعة الاستجابة، وكفاءة القيادة، والتنسيق بين مختلف مكونات القوات المسلحة، والقدرة على اختبار المنظومات تحت ظروف مختلفة.

كما أن وضع الإنسان العسكري في قلب الرسالة الملكية يحمل دلالة مهمة. فالتكنولوجيا مهما تطورت لا يمكن أن تحقق أهدافها من دون ضابط وضابط صف وفرد يمتلك المعرفة والتخصص والمهارة والقدرة على تشغيل المنظومات الحديثة واتخاذ القرار في الظروف الصعبة ، ولذلك فإن بناء القدرات البشرية سيبقى جزءاً أساسياً من عملية التحديث، إلى جانب التسليح والتكنولوجيا.

وتبرز في الرسالة أيضاً مسألة الحفاظ على سمعة المؤسسة العسكرية وهيبتها وثقة الأردنيين بها، وهي مسألة تتجاوز الجانب العسكري المباشر.

الأردنيون قد يختلفون حول السياسة والاقتصاد والخدمات والبطالة والفقر والضرائب والرسوم وغيرها من القضايا التي تمس حياتهم اليومية، لكن الجيش العربي والأجهزة الأمنية يمثلان مساحة واسعة من الإجماع الوطني الأردني ، وفي العلاقة بين الأردنيين وجيشهم حالة خاصة من الثقة؛ هم من الجيش، والجيش منهم.

ولهذا فإن المحافظة على الهيبة والانضباط والاحتراف والسمعة ليست مسألة معنوية فقط، وإنما هي جزء من قوة المؤسسة العسكرية نفسها ، فالقوة العسكرية الحقيقية تقوم على السلاح والكفاءة، لكنها تقوم كذلك على الثقة والانضباط والاحتراف والشرعية الوطنية.

ومن هنا أيضاً ينبغي التعامل بحذر مع اللغط الذي ربط تغيير قيادة الجيش بالضربة العسكرية الأخيرة، وبالقول إن عدم اعتراض بعض الصواريخ كان سبباً مباشراً في تغيير رئيس هيئة الأركان. هذا الربط لا يستند إلى ما أعلن رسمياً، ولا ينبغي تحويله إلى حقيقة بمجرد تداوله من قبل المغرضين المتربصين لهذا الوطن ، فهم فشلوا ويفشلوا في كل محاولاتهم للنيل من هذا الوطن وشعبه وقيادته وجيشه .

فتداول القيادة في القوات المسلحة جزء من طبيعة المؤسسة العسكرية الأردنية منذ تأسيسها، بينما مشروع إعادة الهيكلة والتحديث أوسع من تغيير الأشخاص، كما أن الحديث الملكي عن تطوير الجيش وإعادة هيكلته وتحديث قدراته يأتي في سياق استراتيجي يتجاوز حادثة عسكرية واحدة.

وبالتالي فإن المرحلة المقبلة تبدو أقرب إلى مرحلة تطوير مؤسسة وليس مجرد مرحلة تغيير أشخاص.

القيادة الجديدة مطالبة بالحفاظ على ما راكمه الجيش العربي من خبرة وهيبة وثقة، وفي الوقت نفسه دفعه إلى مستوى جديد من الجاهزية والقدرة على التعامل مع تهديدات تتغير بسرعة، خصوصاً في بيئة إقليمية أصبحت فيها الصواريخ والمسيّرات والحرب الإلكترونية والقدرات السيبرانية جزءاً من المشهد الأمني اليومي.

وهنا ستظهر قيمة الرسالة الملكية في طريقة تنفيذها ، فالتوجيهات ستتحول إلى خطط، والخطط إلى برامج، والبرامج إلى تدريب وتسليح وتطوير للقيادة والسيطرة والاستخبارات والاتصالات والدفاع الجوي ومواجهة المسيّرات وغيرها من القدرات التي تفرضها طبيعة الحرب الحديثة.

وستكون النتائج على الأرض هي المعيار الحقيقي: بنية عسكرية أكثر مرونة وتكاملاً، قدرات تكنولوجية أكثر تقدماً، جاهزية يمكن قياسها واختبارها، وكوادر بشرية أكثر احترافاً.

بهذا المعنى، فإن رسالة جلالة الملك إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة يمكن قراءتها باعتبارها خريطة طريق عسكرية للمرحلة المقبلة؛ تحافظ على ثوابت الجيش العربي وهيبته وعقيدته، وتدفع في الوقت نفسه نحو بناء قوة أكثر تطوراً ومرونة وقدرة على التعامل مع طبيعة الحرب الجديدة.

فالقيادة تتغير، والمؤسسة تستمر، لكن البيئة المحيطة تتغير بسرعة.

والمطلوب في المرحلة المقبلة أن ينتقل الجيش العربي من المحافظة على مستوى جاهزية قائم إلى بناء قدرة عسكرية متجددة، أكثر تكاملاً وتكنولوجيا واحترافاً، قادرة على حماية الأردن والتعامل مع التهديدات التي قد يحملها المستقبل قبل أن تتحول إلى مخاطر على أرض الواقع.

وهنا يكمن جوهر الرسالة الملكية: تحديث الجيش العربي للمستقبل، مع الحفاظ على القوة التي جعلت الأردنيين يرونه دائماً سياج الوطن ودرعه الحصين.

وفي هذه المناسبة، لا بد من كلمة تقدير للفريق الركن يوسف الحنيطي، الذي عمل بجد وأدى الأمانة والمسؤولية خلال فترة قيادته، مقدرين له جهده وإخلاصه في خدمة القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي.

كما نبارك للواء الركن مجدي الحراسيس توليه رئاسة هيئة الأركان المشتركة، سائلين الله أن يعينه على حمل هذه المسؤولية الكبيرة، وأن يوفقه في خدمة الأردن والقوات المسلحة، وأن يسدد خطاه لما فيه خير الوطن ورفعته وأمنه واستقراره.

حفظ الله الأردن وقيادته وشعبه العظيم وجيشه وأجهزته الامنية .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :