حين تنفلت السلطة… ويتراجع الوطن في الوعي
المحامي عبدالله الشياب
03-09-2026 01:00 PM
ليست أخطر أزمات الأوطان تلك التي تُرى في الشوارع أو تُقاس بالأرقام، بل تلك التي تتسلل بصمت إلى النفوس، حين يفقد المسؤول إحساسه بأن المنصب أمانة، ويتحول في ذهنه إلى سلطة مفتوحة، وحين يبدأ المواطن، من جهته، بفقدان إيمانه بأن للوطن قيمة تتجاوز المصالح الشخصية والولاءات الضيقة.
هناك لحظة خطرة في حياة الدول، تبدأ عندما يشعر المسؤول أن موقعه يمنحه حقًا في المواطن بدل أن يمنحه واجبًا تجاهه. عندها تنقلب المعادلة: يصبح المواطن هو الذي يخشى المسؤول، بدل أن يكون المسؤول هو الذي يخشى الله والقانون والضمير والوطن.
المسؤول الحكومي ليس مالكًا للسلطة، ولا صاحب فضل على الناس. هو موظف عام، أُعطي صلاحية مؤقتة لخدمة وطن دائم. كرسيه عابر، أما الوطن فباقٍ. منصبه ينتهي، أما آثار قراراته فقد تمتد إلى أجيال.
ومن هنا تبدأ شهوة الانفلات.
أن يشعر المسؤول أنه فوق المساءلة، وأن القانون يمكن أن يكون صارمًا مع المواطن ومرنًا معه، وأن النفوذ قادر على فتح الأبواب التي تُغلق في وجه أصحاب الحقوق؛ فهذه ليست مجرد مشكلة سلوك فردي، بل بداية تصدع في فكرة الدولة نفسها.
والأخطر من ذلك أن المواطن قد يعتاد المشهد.
حين يرى التجاوز ولا يعترض، والواسطة ولا يرفض، والظلم ولا يواجه، ويبدأ في البحث عن مصلحته الخاصة داخل الخلل بدل السعي إلى إصلاحه، فإن الأزمة لا تعود أزمة مسؤول فقط؛ بل تصبح أزمة وعي وطني.
الوطنية ليست أغنية نرددها في المناسبات، ولا علمًا نرفعه في الاحتفالات، ولا كلمات كبيرة نكتبها في خطاباتنا. الوطنية موقف يومي: أن تحترم القانون عندما لا يراقبك أحد، وأن ترفض الظلم حتى عندما لا يقع عليك، وأن تدافع عن المال العام كأنه مالك، وأن تقول للمسؤول: أخطأت، دون خوف أو تملق.
لقد تآكلت في مجتمعات كثيرة قيمة المثل الوطني عندما أصبح النجاح يُقاس بمدى قرب الإنسان من صاحب النفوذ، لا بمدى كفاءته ونزاهته؛ وعندما صار السؤال: «من تعرف؟» أهم من السؤال: «ماذا تعرف؟»؛ وعندما أصبح الوصول إلى الحق يحتاج إلى واسطة، بينما الوصول إلى المسؤول يحتاج إلى نفوذ.
وهنا تكمن الكارثة.
حين تصبح الواسطة ثقافة، يصبح القانون استثناءً. وحين يصبح التملق طريقًا للنجاح، تصبح الكفاءة عبئًا. وحين يخاف المواطن من قول الحقيقة، تبدأ الدولة في خسارة أهم ثرواتها: ثقة الناس.
ولا يمكن تحميل المسؤول وحده مسؤولية هذا الانحدار. فالمجتمع الذي يصفق للمتنفذ ثم يشكو من نفوذه، والذي يرفض الفساد عندما يُحرم منه ويقبله عندما يستفيد منه، يشارك - ولو بصمته - في صناعة البيئة التي تسمح للانفلات أن يستمر.
الوطن لا يُبنى بالخوف من المسؤول، ولا بالتقديس الأعمى للمؤسسة، ولا بتحويل النقد إلى خيانة.
بل إن النقد الوطني الصادق أحد أشكال الولاء للوطن.
فمن يحب وطنه لا يريد لمسؤوله السقوط، وإنما يريد أن يراه نزيهًا عادلًا، قويًا بالقانون لا بالبطش، محترمًا للناس لا متعاليًا عليهم، ويعرف أن السلطة تكليف وليست تشريفًا.
نحن بحاجة إلى استعادة معنى بسيط كدنا ننساه:
المسؤول ليس فوق المواطن، والمواطن ليس تابعًا للمسؤول؛ كلاهما تحت سقف الوطن والقانون.
وإذا أردنا أن نستعيد المثل الوطني في ذهنية الشعب، فعلينا أن نبدأ بإعادة الاعتبار للقيم التي تجعل الانتماء للوطن سلوكًا لا شعارًا: العدالة، النزاهة، احترام القانون، تكافؤ الفرص، صيانة المال العام، والمساءلة دون انتقائية.
فالدولة التي لا تحاسب مسؤولها عندما يتجاوز، تعلم الناس بصورة غير مباشرة أن السلطة أقوى من القانون.
والمجتمع الذي يبرر التجاوز لأنه صدر عن «الكبير»، يربي أجياله على أن القانون درجات، وأن الكرامة امتياز، وأن الحق يحتاج إلى ظهر يحميه.
وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لوطن.
لأن انهيار الأوطان لا يبدأ دائمًا بانهيار مؤسساتها، بل قد يبدأ بانهيار المعنى في نفوس أبنائها.
عندما يتوقف المواطن عن الإيمان بأن الصالح العام يستحق التضحية، وعندما يصبح الوطن مجرد مساحة للبحث عن المكاسب، وعندما تتحول الوظيفة العامة إلى غنيمة، والمنصب إلى وجاهة، والقانون إلى أداة انتقائية، فإننا نكون أمام أزمة تتجاوز السياسة والإدارة؛ نحن أمام أزمة أخلاق وطنية.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين المواطن والمسؤول.
المعركة الحقيقية هي بين منطق الدولة ومنطق الغنيمة.
بين من يرى السلطة مسؤولية، ومن يراها امتيازًا.
بين من يؤمن بأن الوطن فوق الأشخاص، ومن يعتقد أن الأشخاص فوق الوطن.
وفي النهاية، لا يبقى المسؤول في كرسيه إلى الأبد، ولا تبقى المناصب لأصحابها، لكن يبقى الوطن، ويبقى أثر ما فعلناه فيه.
فإما أن نترك وراءنا دولة يحكمها القانون ويثق بها المواطن، وإما أن نورث أبناءنا مجتمعًا اعتاد الصمت أمام التجاوز، والخضوع أمام النفوذ، والبحث عن النجاة الفردية في زمن تتراجع فيه المصلحة العامة.
الوطن لا يحتاج مسؤولين لا يخطئون؛ يحتاج مسؤولين يعرفون أنهم ليسوا فوق الخطأ ولا فوق المساءلة.
ويحتاج مواطنين لا يخافون من قول الحقيقة، ولا يبيعون ضميرهم من أجل منفعة عابرة.
فالكرسي زائل.
والنفوذ زائل.
والأسماء زائلة.
أما الوطن… فمسؤوليتنا جميعًا أن يبقى