لا يا ماهر أبو طير .. الأردنيون ليسوا شعباً عنيداً
صالح الشرّاب العبادي
04-09-2026 09:44 AM
مع الاحترام للكاتب ماهر أبو طير وقلمه وتجربته، فإنني أختلف معه في العنوان الذي اختاره لمقاله: العناد الشعبي والقسوة الغائبة ، وفي الفكرة التي توحي بأن ما يرتكبه بعض الأفراد من مخالفات وسلوكيات غير مسؤولة يمكن أن يُنسب إلى الشعب الأردني بصورة عامة.
نحن لا نختلف مع الكاتب في ضرورة احترام القانون، ولا في أهمية المحافظة على المياه، ولا في رفض القيادة المتهورة وإطلاق العيارات النارية وإغلاق الطرق والتعدي على حقوق الآخرين. بل إن هذه الممارسات وغيرها تستحق النقد والمساءلة، ويجب أن يطبق القانون على مرتكبيها دون واسطة أو محاباة أو استثناء.
لكن الخلاف يبدأ عندما يتحول نقد سلوك بعض الأفراد إلى وصف شعب بأكمله بالعناد.
وهنا أقول للكاتب المحترم : تمهل قليلاً.
هل الشعب الأردني كله يهدر المياه؟ هل كل الأردنيين يسرقون المياه أو يستخدمونها بطريقة مخالفة؟ هل كلهم يخالفون قوانين السير؟ هل كل الأردنيين يقودون بسرعات جنونية أو «يخمّسون» بسياراتهم؟ هل جميعهم يغلقون الشوارع في مواكب الخريجين والاحتفالات؟ هل كل الأردنيين يطلقون العيارات النارية؟ وهل جميعهم ينزعون لوحات مركباتهم للتهرب من الرقابة؟ وهل كل الأردنيين يدخنون داخل المؤسسات والمستشفيات؟
بالتأكيد لا.
إذن، لماذا يصبح خطأ مجموعة من الأفراد عناداً شعبياً ؟
هذه ليست مسألة لغوية عابرة، بل مسألة إنصاف.
فالأردني الذي يلتزم بالقانون، ويحافظ على الماء، ويقود سيارته بهدوء، ويحترم الطريق والمستشفى والمؤسسة العامة، ويدفع ما عليه من التزامات، ويحرص على أمن بلده واستقراره، لا يجوز أن يجد نفسه فجأة مشمولاً بتهمة العناد الشعبي لمجرد أن أفراداً آخرين ارتكبوا مخالفات.
لا تزر وازرة وزر أخرى.
ومن أبسط قواعد العدالة ألا يؤخذ المجتمع بجريرة بعض أفراده.
نعم.. هناك مخالفون، لكنهم لا يمثلون الشعب
من حق الكاتب أن يرفع صوته في وجه السلوكيات السلبية، بل إننا نحتاج إلى مزيد من الكتاب الذين ينتقدون الخلل الاجتماعي ولا يجاملون أحداً.
لكن النقد يصبح أكثر قوة وتأثيراً عندما يكون دقيقاً.
قل: بعض الأردنيين يخالفون القانون.
قل: هناك فئة تهدر المياه.
قل: هناك من يستهين بقوانين السير.
قل: هناك من يستغل المناسبات لإغلاق الطرق أو إطلاق العيارات النارية.
قل ما شئت من العبارات الدقيقة التي تصيب المخالف في موضعه.
لكن لا تقل إن «الشعب الأردني عنيد»، لأنك بذلك تضع الملتزم والمخالف في كفة واحدة، وتنقل المسؤولية من الفرد الذي ارتكب الخطأ إلى مجتمع كامل لم يرتكب الخطأ.
وهذا تحديداً ما لا أراه منصفاً.
الأردنيون الذين لا نراهم في المقال
هناك وجه آخر للمجتمع الأردني ربما لا يظهر كثيراً في مثل هذه المقالات.
هناك المواطن الذي يستيقظ مبكراً ليذهب إلى عمله، ويحترم الدور، ويحافظ على ممتلكات الدولة، ويوفر الماء، ويلتزم بإشارات المرور، ويترك الطريق مفتوحاً للآخرين، ويطفئ سيارته أمام المدرسة والمستشفى، ويرفض الواسطة عندما تكون على حساب حق غيره، ويحرص على أن يبقى وطنه آمناً ومستقراً.
وهناك الأب الذي يربي أبناءه على احترام القانون، والأم التي تعلم أبناءها النظام، والشاب الذي يقود سيارته ملتزماً رغم كل ما يراه من مخالفات حوله.
هؤلاء أيضاً هم الشعب الأردني.
فلماذا نرى المخالف فقط، ثم نعمم سلوكه على الجميع؟
التسامح لا يعني أن الشعب متمرد
أما الحديث عن تسامح الدولة وقسوتها الغائبة، فهذه ميزة ينبغي فعلاً المحافظة عليها، ولا يجوز لأحد أن يستغل رحابة الدولة وصبرها للتمادي في مخالفة القانون.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين القول إن بعض الناس يستغلون التسامح، وبين القول إن الشعب الأردني عنيد ومتمرد على القانون.
الأولى توصيف لظاهرة محددة يمكن معالجتها.
أما الثانية فهي حكم عام على مجتمع كامل.
والدولة القوية ليست الدولة التي تقسو على شعبها، وإنما الدولة التي تطبق القانون بعدالة، فتردع المخالف وتحمي الملتزم في الوقت نفسه ، بعدالة لا اكثر .. وهي الهدف المنشود حتى يطمئن الشعب ولا يحبط ..
الكاتب الصحفي، خصوصاً عندما يكون صاحب حضور وتأثير، لا يكتب عن فراغ. الكلمة قد تبقى في ذاكرة الناس أكثر مما يبقى الحدث الذي كتبت عنه.
ولهذا فإن الدقة في توصيف المجتمع ، المجتمع باكمله، يجب ان يكون منصفاً وعادلاً قبل أن يكون مجرد كلمة او لغة تقال في مقال .
حين تقول بعض المواطنين ، فأنت تحدد المسؤولية.
وحين تقول الشعب الأردني ، فأنت توسع دائرة الاتهام لتشمل الملايين.
وهنا يجب أن تكون الكلمة محسوبة.
ليس من العدل أن يتحول الفرد إلى جماعة، والمخالفة إلى ظاهرة شعبية، والفئة إلى شعب، والخطأ إلى صفة وطنية.
أخيراً..
نحن لسنا بحاجة إلى تجميل أخطائنا، ولا إلى الدفاع عن المخالفين، ولا إلى التساهل مع من يهدد سلامة الناس أو يهدر موارد الوطن.
نحن بحاجة إلى شيء أبسط وأعدل:
أن نحاسب المخالف، وننصف الملتزم.
أن نقول للمستهتر: أنت مخطئ، دون أن نقول لملايين الأردنيين: أنتم عنيدون.
أن نواجه السلوك الخاطئ، دون أن نسيء إلى مجتمع كامل.
فالأردنيون ليسوا ملائكة، كما أنهم ليسوا شعباً عنيداً بالفطرة.
فيهم المخالف وفيهم الملتزم، فيهم من يخطئ وفيهم من يصيب، وهذا حال كل المجتمعات.
أما أن نأخذ الشامي بالعامي، وأن نحمل الشعب كله أخطاء بعض أفراده، فهنا أختلف مع الكاتب بكل وضوح.
انتقدوا المخالفات كما شئتم، وارفعوا سقف النقد كما شئتم، ولكن لا تأخذوا الشعب بجريرة بعض أفراده.
فالأردنيون يستحقون النقد عندما يخطئون، ويستحقون الإنصاف أيضاً عندما لا يخطئون.