دلالة زيارة الرئيس الصيني لمصر
سامي شريم
05-09-2026 09:38 AM
حين يقرر شي جين بينغ ان يأتي الى القاهرة في زيارة دولة وفي هذا التوقيت تحديدا فالأمر يتجاوز حدود العلاقات الثنائية والمجاملات الدبلوماسية فالقادة الكبار لا يتحركون في عالم السياسة بلا حساب وكل زيارة بهذا المستوى تحمل رسائل متعددة بعضها معلن وبعضها لا يحتاج الى اعلان.
مصر بالنسبة للصين ليست مجرد دولة عربية او افريقية تربطها بها علاقات تاريخية طويلة فمصر تقع في نقطة شديدة الحساسية من خريطة العالم فهي بوابة افريقيا وملتقى العالم العربي والمتوسط وصاحبة موقع استثنائي على قناة السويس التي تمثل احد اهم شرايين التجارة العالمية.
والأهم ان الصين تنظر الى مصر باعتبارها دولة قادرة على الجمع بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد والقوة العسكرية في وقت واحد ولذلك فإن تعميق العلاقة معها يعني للصين تعميق حضورها في افريقيا والشرق الأوسط و طرق التجارة الدولية.
الزيارة حملت ايضا بعدا اقتصاديا واضحا فقد تجاوز حجم التجارة بين البلدين عشرين مليار دولار في عام 2025 وجرى خلال الزيارة الدفع نحو مجالات جديدة تشمل الطاقة الخضراء والسيارات الكهربائية والاقتصاد الرقمي والفضاء والزراعة والتكنولوجيا كما تم توقيع اكثر من عشرين وثيقة تعاون في مجالات متعددة لكن البعد الاقتصادي ليس وحده الحاضر هناك بعد استراتيجي لا يمكن تجاهله.
فالصين تتحرك في عالم يتغير بسرعة وتسعى الى بناء شبكة واسعة من الشراكات بعيدا عن نظام القطب الواحد ومصر بحكم علاقاتها المتوازنة مع القوى الكبرى تمثل بالنسبة لبكين شريكا بالغ الاهمية، واللافت ان مصر لا تقدم نفسها باعتبارها جزءا من معسكر شرقي او غربي بل تتحرك بمنطق المصلحة الوطنية وتوسيع هامش الحركة السياسية والاقتصادية، ما يمنحها قيمة اكبر لدى القوى الكبرى التي تريد حضورها في المنطقة، كما ان التعاون العسكري والأمني بين القاهرة وبكين يتطور بصورة لافتة وقد شهدت السنوات الأخيرة تدريبات جوية مشتركة وهو ما يكشف ان العلاقة لم تعد محصورة في التجارة والاستثمار وانما تتجه نحو شراكة استراتيجية اوسع.
ومن هنا يمكن قراءة زيارة شي للقاهرة باعتبارها اعترافا بأهمية الدور المصري في معادلات المرحلة المقبلة وليس مجرد احتفال بسبعين عاما من العلاقات فالصين لا تنظر الى مصر بعين الماضي فقط بل بعين الحاضر و المستقبل ومصر التي تعمل على توسيع قاعدتها الصناعية وجذب الاستثمارات وتطوير بنيتها التحتية وتعظيم الاستفادة من موقعها الجغرافي تريد تحويل موقعها الاستراتيجي الى قوة اقتصادية حقيقية وهنا تكمن اهمية الزيارة.
فحين يأتي رئيس دولة كبرى الى القاهرة حاملا معه ملفات الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والأمن والسياسة فإن الرسالة واضحة مصر ليست مجرد ساحة للصراع على النفوذ مصر نفسها أصبحت جزءا من معادلة النفوذ.
المرحلة القادمة لن تقاس فقط بمن يملك السلاح او المال بل بمن يملك الموقع والقدرة على المناورة والاقتصاد والعلاقات المتوازنة والرؤية الاستراتيجية ولهذا فإن زيارة الرئيس الصيني الى القاهرة تستحق ان تقرأ بعيدا عن مراسم الاستقبال وصور المصافحة فما يجري بين القاهرة وبكين هو فصل جديد في إعادة تشكيل موقع مصر داخل النظام الإقليمي والدولي.
الصين تراقب هذا التحول جيدا وتعرف ان مصر التي تمسك بمفاتيح جغرافية وسياسية واقتصادية مهمة يمكن ان تكون شريكا مؤثرا في عالم يتجه بقوة نحو التعددية وتراجع هيمنة القطب الواحد.