مفارقة العقوبات: هل تدفع هيمنة الدولار إلى إعادة تشكيل النظام المالي العالمي؟
د. حمد الكساسبة
05-09-2026 11:10 AM
قد تبدو العقوبات المالية أحد أوضح مظاهر قوة الدولار. لكنها تحمل مفارقة أعمق: فكلما ازدادت قدرة الولايات المتحدة على استخدام مركزية عملتها ونظامها المالي أداةً للضغط، ارتفعت لدى الآخرين قيمة امتلاك خيارات تقلل تعرضهم لهذا النفوذ. لذلك، لا يتمثل السؤال الحقيقي في ما إذا كان الدولار على وشك فقدان موقعه؛ فالوقائع لا تشير إلى ذلك، بل في ما إذا كان الاستخدام المتكرر لهذه الهيمنة يدفع الدول تدريجياً إلى بناء مسارات تجعل اعتمادها عليها أقل ضرورة. ومن هنا قد تصبح قوة الدولار نفسها أحد الحوافز التي تعيد تشكيل النظام المالي العالمي.
يمكن قراءة هذا المسار عبر ثلاث مراحل: العزل، ثم التكيف، ثم المأسسة. فعندما تُبعد دولة عن البنوك وأسواق التمويل وقنوات التسوية التقليدية، تبدأ بالبحث عن وسطاء، وعملات محلية، ومقايضة، ومسارات بديلة للشحن والدفع. ومن هنا يتشكل ما يمكن تسميته «اقتصاد الظل الجيوسياسي»؛ شبكة موازية من التجارة والتمويل والشحن والتسوية، لا تنتمي إلى اقتصاد الظل بالمعنى التقليدي، بل تنشأ لتقليل الاعتماد على القنوات التي يمكن للعقوبات تعطيلها. ومع استمرار الضغط، قد تتحول الحلول المؤقتة إلى شبكات أكثر انتظاماً وبنية قابلة للاستخدام من آخرين.
ويقدم نظام المدفوعات الصيني CIPS مثالاً على هذا التحول. فهو لا يشكل بديلاً كاملاً عن «سويفت»، ولا يعني استخدامه الخروج تلقائياً من الدولار، لكن حجمه لم يعد هامشياً؛ إذ عالج خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 نحو 139.7 تريليون يوان. ولا تكمن أهمية الرقم في إحلال النظام الصيني محل البنية الغربية، بل في أن المعاملات العابرة للحدود عبر قنوات أخرى أصبحت أكثر قابلية للتنفيذ. وفي عالم المال، لا يحتاج البديل إلى إزاحة النظام المهيمن؛ يكفي أن يوفر خياراً عملياً في معاملات يراد تحصينها من المخاطر السياسية.
وتكشف إيران حدود هذه البدائل بقدر ما تكشف فاعليتها. فقد حافظت على جانب مهم من صادراتها النفطية، خصوصاً إلى الصين، عبر شبكات شحن وتسوية معقدة، ووصلت التدفقات في مرحلة من 2026 إلى نحو 1.58 مليون برميل يومياً، قبل أن تتراجع بحدة في آب مع تصاعد الضغط الأميركي وتشديد القيود على حركة الشحن. والدرس واضح: القنوات البديلة قد تمنع الإغلاق الكامل، لكنها لا تلغي كلفة العقوبات. فالتجارة تصبح أغلى وأكثر هشاشة، والوصول إلى التمويل والتكنولوجيا والاستثمار أكثر صعوبة. القدرة على الصمود ليست مرادفاً للقدرة على الازدهار.
وتصبح المسألة أكثر أهمية عندما تنتقل هذه الأدوات من الدول الخاضعة للعقوبات إلى اقتصادات لا تواجه عزلاً مالياً. وهنا تبرز تحركات «بريكس» نحو توسيع استخدام العملات المحلية وربط أنظمة الدفع والتسوية، وهي أكثر دلالة من الحديث عن عملة موحدة تنافس الدولار. فالتحول قد لا يأتي من منافس نقدي واحد، بل من تراكم ترتيبات تجعل استخدام الدولار خياراً في عدد متزايد من المعاملات، لا شرطاً لازماً لها. وبذلك قد تتراجع الهيمنة تدريجياً مع اتساع قدرة الدول على تنفيذ تجارتها وتمويلها عبر أكثر من مركز وشبكة.
وتظهر العقلية نفسها في إدارة الاحتياطيات. ففي أيلول 2026 أعاد البنك المركزي الهولندي توزيع جانب من احتياطياته الذهبية، فأعاد توجيه نحو 86 طناً من احتياطياته الموجودة في الولايات المتحدة وكندا نحو لندن، وانخفضت حصة نيويورك من الذهب الهولندي من 31.3% إلى 18.5%. ولم يقدم البنك الخطوة بوصفها فقداناً للثقة بالولايات المتحدة، بل ربطها بالاضطرابات الجيوسياسية والاستعداد للأزمات وتوزيع المخاطر. والدلالة الأهم أن إدارة الاحتياطي لم تعد تتعلق فقط بنوع الأصل، بل بمكان وجوده وسهولة الوصول إليه؛ أي بمفهوم أوسع للأمان يقوم على الحد من مخاطر التركّز.
ولا يعني ذلك أن العالم يقف أمام نهاية قريبة للدولار. فقد بلغت حصته نحو 57.13% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية في الربع الأول من 2026، وظل في صدارة التمويل الدولي والمدفوعات وأسواق الدين. وتستند قوته إلى أسواق مالية عميقة وعالية السيولة، وحجم ضخم من الأصول الآمنة، وشبكات يصعب بناء بديل مكافئ لها سريعاً. لذلك لا تدور المنافسة الحقيقية حول أي عملة ستأتي بعد الدولار، بل حول من يستطيع توفير منظومة متكاملة من السيولة والثقة والأسواق والأصول الآمنة.
وينطبق الأمر نفسه على «البترودولار». فتوسع تسوية بعض تجارة الطاقة باليوان أو العملات المحلية مهم، لكنه لا يهدم الأساس الذي تقوم عليه مكانة الدولار. فقد أسهم النفط تاريخياً في تعزيز استخدامه، إلا أن أسواق رأس المال الأميركية وشبكات التمويل العالمية أصبحت أكثر أهمية في تثبيت موقعه. ومن هنا، فإن المؤشر الأهم ليس عدد التصريحات عن «نزع الدولرة»، بل مقدار التجارة والديون والمدفوعات والاحتياطيات التي يمكن إدارتها بكفاءة عبر قنوات أخرى. فالمنافسة المقبلة قد تنتج نظاماً أقل اعتماداً على مركز واحد، لا عملة مهيمنة جديدة بالضرورة.
وخلاصة الأمر، ليست مفارقة العقوبات أن تستخدم الولايات المتحدة الدولار اليوم فتفقد مكانته غداً؛ فهذا تبسيط لا تسنده الوقائع. المفارقة أن نجاح العقوبات يجعل امتلاك بدائل عنها أكثر قيمة ويحفز الاستثمار فيها. وإذا أصبحت القنوات التي نشأت تحت الضغط أقل كلفة وأكثر موثوقية، ثم انتقلت إلى التجارة والتمويل الطبيعيين بين دول وشركات لا تخضع للعقوبات، عندها يبدأ التغيير الحقيقي. قد يظل الدولار في القمة سنوات طويلة، لكن الهيمنة لا تعني فقط أن تكون العملة الأولى؛ بل أن يبقى المرور بك هو الطريق الأكثر ضرورة. وما يستحق المراقبة هو نظام مالي أكثر تعدداً، يبقى فيه الدولار في الصدارة بقدرة أقل على احتكار الطريق.