نحو منظومة أردنية متدرجة لتنظيم التواصل الوالدي بعد الانفصال "من «حق الرؤية» إلى حق الطفل في التواصل"
د. محمود أبو رمان
05-09-2026 12:10 PM
بعد أن طرحتُ في وقت سابق فكرة «قاضي الأسرة الواحدة» وضرورة الانتقال من تعدد الملفات والقضايا التي تخص الأسرة الواحدة إلى رؤية أكثر تكاملًا تجعل الأسرة محورًا للعدالة والإصلاح، أجد أن من القضايا التي تستحق اليوم نقاشًا جادًا وعميقًا قضية تنظيم علاقة الطفل بوالديه بعد الانفصال.
فما زلنا، في كثير من الأحيان، ننظر إلى المسألة من زاوية السؤال التقليدي: متى يرى الأب ابنه؟ أو كم ساعة يقضيها المحضون مع والده؟
بينما السؤال الأهم، في تقديري، يجب أن يكون:
ما مقدار ونوع التواصل الذي يحتاجه هذا الطفل، في مرحلته العمرية وظروفه الخاصة، حتى يحافظ على علاقة آمنة ومستقرة ومتوازنة مع كل من والديه؟
ومن هنا أقترح الانتقال في التشريع والقضاء الشرعي الأردني من المفهوم التقليدي لـ «الرؤية» إلى مفهوم أوسع وأكثر إنسانية وحداثة، هو: التواصل الوالدي المتدرج بعد الانفصال، وذلك في إطار مشروع وطني لتطوير تنظيم الرؤية والاستزارة والاصطحاب والمبيت والاتصال الإلكتروني، على أساس أن المصلحة الفضلى للطفل هي نقطة البداية والنهاية في كل تنظيم قضائي.
الطفل ليس محلًا للنزاع
إن الانفصال بين الزوجين ينهي العلاقة الزوجية، لكنه لا ينبغي أن ينهي العلاقة الوالدية.
فالطفل لا ينفصل عن أبيه لأنه انفصل عن أمه، ولا ينبغي أن يخسر أمه لأن العلاقة الزوجية انتهت بين الوالدين.
ولهذا فإن القضية لا ينبغي أن تُفهم بوصفها صراعًا بين حق الأب وحق الأم، وإنما بوصفها قضية تتعلق، أولًا، بحق الطفل في المحافظة على علاقة شخصية منتظمة ومستقرة مع والديه، في الحدود التي تحقق مصلحته الفضلى وتحميه من الضرر.
إن إعادة مركز الثقل إلى الطفل تفرض علينا إعادة النظر في كثير من المفاهيم.
فبدلًا من أن نسأل: ما حق الأب في رؤية المحضون؟ ينبغي أن نسأل: ما الذي يحتاجه الطفل حتى لا تتحول تجربة الانفصال إلى حرمان عاطفي من أحد والديه؟
وبدلًا من أن يكون الحكم مجرد تحديد موعد للرؤية، ينبغي أن يتحول إلى بناء خطة للتواصل الأسري تراعي عمر الطفل، ونموه، وعلاقته السابقة بكل من والديه، وظروف الأسرة، وقدرة كل طرف على الرعاية.
هل يحتاج جميع الأطفال إلى النظام نفسه؟
من أهم الإشكالات التي تستحق المراجعة أن الطفل لا يبقى الطفل نفسه في جميع مراحل عمره.
فطفل في عمر ستة أشهر ليس كطفل في الثانية، وطفل في الرابعة ليس كطفل في السابعة، وطفل في العاشرة له احتياجات مختلفة عن طفل في الخامسة عشرة.
إن احتياجات الرضيع إلى التواصل تختلف عن احتياجات الطفل الذي بدأ المدرسة، وهذه تختلف بدورها عن احتياجات المراهق الذي أصبح قادرًا على التعبير عن رأيه وفهم ظروف أسرته.
ومن هنا تأتي فكرة التدرج العمري في تنظيم التواصل الوالدي.
ولا أقصد بالتدرج العمري وضع جدول جامد يحكم جميع الأسر بالطريقة نفسها، بل أقترح اعتماد نظام استرشادي يساعد القضاء والأسرة على بناء ترتيب أكثر وضوحًا وتوازنًا، مع بقاء المصلحة الفضلى للطفل هي المعيار الحاكم.
فالسن مؤشر مهم، لكنه لا ينبغي أن يكون الحكم النهائي وحده.
لماذا لا يكون المبيت مرتبطًا بسن معينة بصورة آلية؟
من المسائل التي تحتاج إلى نقاش علمي وقضائي مسألة المبيت.
فليس من المنطقي دائمًا أن نقول إن الطفل لا يصلح للمبيت قبل عمر معين لمجرد رقم العمر، كما أنه ليس من المنطقي أن يصبح المبيت مناسبًا تلقائيًا بمجرد بلوغ الطفل ذلك الرقم.
فقد يكون طفل في الثالثة من عمره معتادًا على بيت والده منذ ولادته، ويعرف بيئته، ويشعر بالأمان معه، ويكون الأب قادرًا على رعايته بصورة مستقرة، فلا يكون الانتقال التدريجي إلى مبيت محدود أمرًا مستحيلًا إذا تحققت مصلحة الطفل.
وفي المقابل، قد يكون طفل أكبر سنًا يعاني من خوف أو اضطراب أو ظروف أسرية خاصة تجعل المبيت غير مناسب في تلك المرحلة.
نستخلص ان العمر ليس حكمًا نهائيًا، وإنما مؤشر استرشادي، والمصلحة الفضلى للطفل هي المعيار الحاكم.
وهذا هو جوهر المقترح.
من الرؤية إلى منظومة التواصل الوالدي
أقترح أن يكون مفهوم التواصل الوالدي أوسع من مجرد الرؤية التقليدية. فالتواصل بين الطفل والوالد الذي لا يقيم معه يمكن أن يشمل:
* الرؤية.
* الاستزارة.
* الاصطحاب.
* المبيت المتدرج.
* الاتصال الهاتفي.
* الاتصال المرئي والإلكتروني.
* التواصل أثناء المرض.
* المشاركة في الأعياد والمناسبات.
* تنظيم العطل والإجازات.
* المحافظة على الصلة بالأجداد والإخوة والأسرة الممتدة، متى كان ذلك محققًا لمصلحة الطفل.
إن العالم اليوم لم يعد ينظر إلى علاقة الطفل بوالديه باعتبارها مجرد ساعات محددة في مكان معين، وإنما باعتبارها علاقة أسرية مستمرة تحتاج إلى تنظيم يحافظ على الاستقرار والأمان والاستمرارية.
التواصل الوالدي المتدرج
يقوم المقترح على فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في آثارها فكلما تغيرت مرحلة الطفل العمرية واحتياجاته، أمكن أن يتغير شكل التواصل معه بصورة تدريجية.
ففي المراحل الأولى من العمر قد تكون الأولوية لزيارات قصيرة ومتكررة، تراعي احتياجات الطفل الصحية والنمائية وطبيعة علاقته بالوالد.
ومع تقدم العمر يمكن أن تتوسع دائرة التواصل لتشمل الاصطحاب لفترات أطول، ثم اليوم الكامل، ثم المبيت المحدود والمتدرج عندما تكون الظروف مناسبة.
ومع دخول الطفل مراحل عمرية أكبر، يمكن أن يتسع النظام ليشمل المبيت المنتظم والعطل والإجازات والأعياد، مع إعطاء الطفل، بحسب عمره ونضجه، دورًا أكبر في التعبير عن رأيه.
أما في مرحلة المراهقة، فلا يمكن تجاهل رغبة الطفل وقدرته على تكوين رأي مستقل، لأن التواصل الذي يُفرض عليه بصورة منفصلة عن واقعه النفسي والاجتماعي قد لا يحقق الغاية المرجوة منه.
وهنا يصبح النظام أكثر مرونة، وأكثر قدرة على الاستجابة للواقع الحقيقي للطفل.
المصلحة الفضلى: من عبارة عامة إلى اختبار قضائي
كثيرًا ما نستخدم عبارة «مصلحة المحضون»، لكن التحدي الحقيقي هو: كيف تتحول هذه العبارة إلى أداة عملية تساعد المحكمة في اتخاذ القرار؟
أقترح أن يتم تطوير اختبار قضائي منظم للمصلحة الفضلى للطفل عند تنظيم التواصل الوالدي.
ومن أهم العناصر التي يمكن أن تدخل في هذا التقييم:
أولًا: سلامة الطفل.
فالحماية من العنف أو الإساءة أو الإهمال مقدمة على كل اعتبار.
ثانيًا: طبيعة العلاقة السابقة مع كل والد.
فهل العلاقة مستقرة؟ وهل كانت مستمرة؟ وهل يوجد ارتباط عاطفي قوي؟
ثالثًا: عمر الطفل ونضجه.
رابعًا: احتياجاته النمائية والنفسية والعاطفية.
خامسًا: قدرته كل والد على الرعاية اليومية.
فالقضية ليست قدرة مالية فقط، وإنما قدرة حقيقية على الاهتمام والرعاية.
سادسًا: قرب المسافة بين مسكني الوالدين.
سابعًا: انتظام التعليم والعلاج والروتين اليومي للطفل.
ثامنًا: قدرة الوالدين على التعاون.
تاسعًا: رأي الطفل بحسب عمره ونضجه.
عاشرًا: وجود أي مخاطر أسرية أو تاريخ للعنف أو الإساءة أو الإهمال.
وبذلك لا تبقى «مصلحة الطفل» عبارة عامة يمكن تفسيرها بطرق متباينة، وإنما تصبح إطارًا واضحًا يساعد القاضي في بيان أسباب اختياره لنوع معين من التواصل.
مؤشر استرشادي لا آلة حسابية
يمكن التفكير مستقبلًا في بناء ما يمكن تسميته «مؤشر التواصل الوالدي».
ولا يعني ذلك تحويل القضاء إلى معادلة رقمية أو آلة حسابية، وإنما توفير أداة استرشادية تقوم على مجموعة من العناصر، أهمها:
العمر + الاستقرار + طبيعة العلاقة السابقة + القدرة على الرعاية + مستوى المخاطر.
ويكون المبدأ:
درجة التواصل المناسبة = الأساس العمري ± عوامل المصلحة الفضلى.
فإذا كانت الظروف إيجابية، والعلاقة مستقرة، ولا توجد مخاطر، ويمكن للوالد تقديم الرعاية بصورة مناسبة، يمكن أن يتوسع التواصل تدريجيًا.
أما إذا وجدت مخاطر أو اضطرابات أو ظروف استثنائية، فيمكن تقليل التواصل أو تنظيمه بصورة مراقبة أو مقيدة مؤقتًا، مع مراجعة القرار عند تغير الظروف.
وهذا يمنح القضاء لغة أكثر وضوحًا في تسبيب الأحكام، ويحافظ في الوقت نفسه على سلطة القاضي في تقدير كل حالة بصورة مستقلة.
الحكم القضائي يجب أن يكون قابلًا للتطور
من الأفكار التي أراها مهمة أن لا يكون الحكم القضائي في تنظيم التواصل حكمًا ثابتًا لا يتغير.
فالطفل يتغير، والظروف تتغير، والعلاقات الأسرية تتغير.
ولهذا يمكن أن يكون لدينا ما أسميه:
«أمر التواصل الوالدي المتدرج»
بحيث يتضمن الحكم مراحل واضحة.
فقد يبدأ التواصل بزيارات قصيرة ومتكررة، ثم ينتقل إلى الاصطحاب النهاري، ثم إلى يوم كامل، ثم إلى مبيت محدود، ثم إلى مبيت منتظم، ثم إلى تنظيم العطل والإجازات والمناسبات.
وهكذا يصبح الحكم خطة مستقبلية قابلة للتدرج والمراجعة، بدلًا من أن يكون مجرد ترتيب ثابت قد لا يناسب الطفل بعد سنة أو سنتين.
التواصل الإلكتروني جزء من العلاقة الوالدية
في عصرنا الحالي لا يجوز أن يبقى مفهوم التواصل محصورًا في اللقاء المباشر.
فالاتصال الهاتفي والمرئي أصبح جزءًا من الحياة اليومية، ويمكن أن يكون وسيلة مهمة للمحافظة على علاقة الطفل بوالده أو والدته، خاصة أثناء السفر أو المرض أو البعد الجغرافي.
ولهذا أقترح إدخال التواصل الإلكتروني ضمن مفهوم التواصل الوالدي، بما يشمل:
المكالمات الهاتفية، والاتصالات المرئية، والرسائل الصوتية، والاطمئنان على الطفل، والتواصل في المناسبات، وفي الحدود المناسبة المشاركة في بعض الجوانب التعليمية والصحية.
فالمطلوب ليس مجرد لقاء جسدي في وقت محدد، وإنما المحافظة على حضور الوالد في حياة الطفل بصورة صحية ومنتظمة.
نحو تنظيم تشريعي أردني أكثر شمولًا
إن التشريع الأردني وفر أساسًا مهمًا لتنظيم الرؤية والاستزارة والاصطحاب والمبيت، وترك للمحكمة مساحة في تحديد الزمان والمكان والكيفية مع مراعاة سن المحضون وظروفه ومصلحته.
وهذا، في تقديري، يمكن البناء عليه لتطوير منظومة أكثر تفصيلًا وتدرجًا دون المساس بسلطة القضاء في تقدير ظروف كل حالة.
وأقترح أن يقوم التطوير على ثلاثة مستويات:
أولًا: قاعدة تشريعية عامة
تقرر أن للطفل، في حدود مصلحته الفضلى، حقًا في المحافظة على علاقة شخصية منتظمة واتصال مستمر مع كل من والديه.
ثانيًا: جدول استرشادي للتدرج العمري
يبين الحد الأدنى أو الإطار المناسب للتواصل في الظروف العادية، مع اختلاف المراحل العمرية.
ثالثًا: سلطة قضائية مرنة ومسببة
تسمح للمحكمة بالزيادة أو النقصان أو التعديل وفق ظروف كل طفل، على أن يكون القرار مبنيًا على أسباب واضحة تتعلق بمصلحته الفضلى.
مقترح لنظام وطني للتواصل الوالدي
ومن هنا أقترح التفكير في إصدار نظام خاص يمكن أن يحمل عنوان:
«نظام تنظيم التواصل الوالدي والمصلحة الفضلى للمحضون»
ويتضمن:
* جدول التواصل العمري الاسترشادي.
* معايير تقييم المصلحة الفضلى.
* نموذج أمر التواصل المتدرج.
* تنظيم التواصل الإلكتروني.
* تنظيم العطل والأعياد والمناسبات.
* إجراءات التسليم والاستلام.
* آليات مراجعة أوامر التواصل عند تغير الظروف.
* تنظيم التواصل المراقب عند وجود مخاطر تستدعي ذلك.
إن وجود مثل هذا النظام يمكن أن يساعد في تحقيق قدر أكبر من الوضوح، ويخفف من النزاعات المتكررة حول تفاصيل التواصل، ويمنح الأسرة والقضاء إطارًا أكثر استقرارًا.
ليست القضية انحيازًا للأب أو للأم
من المهم أن يكون واضحًا أن هذا المقترح لا ينحاز إلى الأب ضد الأم، ولا إلى الأم ضد الأب.
إنه ينحاز إلى الطفل.
فالطفل يحتاج، متى كان ذلك آمنًا وممكنًا ومحققًا لمصلحته، إلى علاقة مستقرة مع والديه.
والغاية ليست زيادة عدد الساعات التي يقضيها الطفل مع أحد الطرفين لمجرد زيادة الساعات، وإنما بناء علاقة آمنة ومستقرة ومستدامة.
ولهذا فإن نجاح النظام لا يقاس بعدد ساعات الرؤية وحدها، وإنما بقدرته على حماية الطفل من أن يصبح ضحية للصراع بين الكبار.
أمن «موعد رؤية» إلى «خطة تواصل أسري»
إنني أطرح هذا المشروع للنقاش بوصفه رؤية إصلاحية قابلة للدراسة والتطوير، وأرى أن المرحلة القادمة تحتاج إلى حوار قانوني وقضائي واجتماعي ونفسي حول مستقبل تنظيم العلاقة بين الطفل ووالديه بعد الانفصال.
وكما طرحت سابقًا فكرة «قاضي الأسرة الواحدة» بوصفها محاولة لإعادة تنظيم العدالة الأسرية حول الأسرة كوحدة متكاملة، فإنني أطرح اليوم فكرة:
«التواصل الوالدي المتدرج»
بوصفها خطوة نحو إعادة النظر في مفهوم الرؤية والاستزارة والاصطحاب والمبيت.
فالمطلوب أن ننتقل من حق الزيارة إلى حق التواصل، ومن موعد رؤية ثابت إلى خطة تواصل أسري متدرجة، ومن الاعتماد على العمر المجرد إلى العمر في ضوء المصلحة الفضلى، ومن الأحكام الجامدة إلى أوامر قضائية قابلة للمراجعة والتطور مع نمو الطفل.
إن الطفل لا يحتاج بعد انفصال والديه إلى مزيد من الصراع، وإنما يحتاج إلى نظام عادل ومتوازن يحميه، ويحافظ على استقراره، ويمنحه، حيثما كان ذلك ممكناً وآمناً، فرصة الاحتفاظ بعلاقة حقيقية ومستدامة مع والديه.
وهنا، في تقديري، تبدأ الفكرة: نحو منظومة أردنية للرؤية والاستزارة والاصطحاب والمبيت، تقوم على التواصل الوالدي المتدرج، وتحكمها دائماً المصلحة الفضلى للمحضون.