الامن الوطني ومجانية المعلومات
عمر سالم خريسات
06-09-2026 08:57 AM
حين ارتفعت قيمة المعلومة، وأصبحت تُشترى وتُحلّل وتُستثمر بأدوات لا تنام، قرر بعضنا أن يقدمها للأعداء بالمجان. تهنئة عابرة على مواقع التواصل قد تكشف اسم ضابط، ورتبته، وموقعه الجديد، وطبيعة عمله، والجهة التي يقودها؛ ثم تأتي صورة أو تعليق أو قائمة أسماء لتكمل ما نقص. وفي وقت يواجه فيه الأردن تهديدات أمنية وعسكرية عابرة للحدود وقادمة من الشرق، لا تبقى هذه المنشورات مجاملات اجتماعية بريئة، بل تتحول إلى شظايا معلومات تجمعها عيون تراقبنا أكثر مما نظن.
قد يسأل بعضهم: وما الذي يصنعه اسم أو صورة منشورة؟ الخطر لا يكمن دائمًا في المعلومة منفردة، وإنما في جمعها مع غيرها؛ فصورة تحدد المكان، وتهنئة تكشف المهمة، وتعليق يربط القائد بوحدته، ومنشور آخر يحدد موعدًا أو حركة. هكذا تُبنى الصورة الأمنية قطعةً قطعة، من غير اختراق جهاز ولا تجنيد عميل؛ نحن نصنع الملف بأيدينا، ثم نضعه على شاشة مفتوحة لمن يريد قراءته وتحليله واستثماره ضد الدولة.
وأين تبدأ المسؤولية؟ تبدأ من إدراك أن الوظيفة الحساسة ليست شأنًا عائليًا، وأن المحبة لا تُثبت بنشر الأسرار، وأن تهنئة صاحب الموقع العسكري أو الأمني تكون بالستر لا بالإشهار. كما تقع المسؤولية على المؤسسات نفسها؛ بوضع تعليمات واضحة للنشر، وتوعية العاملين وعائلاتهم، ومراقبة الصفحات الرسمية وغير الرسمية، وطلب إزالة المحتوى الذي يكشف المناصب أو المواقع أو التحركات. فالأمن لا تحميه الأسوار وحدها؛ قد تهدمه صورة التُقطت بحسن نية، أو كلمة قيلت في غير موضعها.
لقد أصبحت المعلومة ذخيرة هذا العصر، ومن يبعثرها يفتح في جدار الوطن نافذة لمن يتربص به. لذلك لم يعد التنبيه الأخلاقي كافيًا، ولا يجوز أن تبقى المسألة رهينة الاجتهاد الشخصي. المطلوب نص قانوني واضح يجرّم نشر المعلومات المتعلقة بالمواقع والقيادات العسكرية الحساسة من دون إذن، مع عقوبة تتناسب مع الضرر والقصد، وضمان ألا يمتد التجريم إلى النقد المشروع أو الخبر المعلن رسميًا. فالأردن الذي يحرس حدوده برجاله، جدير بأبنائه أن يحرسوا معلوماته بصمتهم؛ لأن كلمة مجانية قد تدفع الدولة ثمنها غاليًا.
دام وطننا الاردن الغالي بكل امن وسلام و قيادتنا الهاشمية المظفرة بكل الخير