نسيم الصمادي .. أبو الإدارة العربية
د. صالح سليم الحموري
07-09-2026 09:07 AM
هناك أشخاص يكتبون في الإدارة، وهناك من يدرّسونها، وهناك من يمارسونها… ثم هناك قلة نادرة تقضي عمرها في صناعة الوعي الإداري نفسه.
ومن هذه القلة نسيم الصمادي.
قبل أن تصبح كلمة «المحتوى» صناعة، وقبل أن نعرف المنصات الرقمية، وقبل أن يصبح تلخيص الكتب موضة على وسائل التواصل الاجتماعي، كان نسيم يقرأ العالم… ثم يختصره لنا بالعربية.
قرأ مئات، بل آلاف الكتب والمقالات والأبحاث الإدارية، وتتبع المدارس والنظريات والتجارب الجديدة، ثم أخذ على عاتقه مهمة شاقة: أن يجعل أفضل ما ينتجه الفكر الإداري العالمي قريبًا من المدير والموظف والقارئ العربي.
من هنا جاءت «خلاصات كتب المدير ورجل الأعمال»، وجاء «المختار الإداري»، و«علاقات»، ومشروع «إدارة. كوم»، وعشرات المبادرات المعرفية التي اختصرت المسافة بين كتاب يصدر في نيويورك أو لندن وبين مدير يجلس في عمّان، أو الرياض، أو دبي، أو القاهرة. وتشير أن مشروعه كان قد جمع منذ بداياته، الخلاصات لأهم كتب الإدارة العالمية، وأن «المختار الإداري» انطلق ليترجم ويلخص أفضل ما يصدر عالميًا في الإدارة، والمال، والأعمال، والتدريب.
ولهذا أسمّيه، دون تردد: أبو الإدارة العربية.
ليس لأنه اخترع الإدارة، ولا لأن الإدارة العربية بدأت معه، بل لأنه كان من أوائل من جعلوا المعرفة الإدارية الحديثة مشروعَ عمرٍ عربيًا.
نسيم لم يكن ناقلًا للمعلومة فقط؛ كان ينتقي ويترجم ويعرّب ويبسّط ويعيد تركيب المعرفة كي تصبح قابلة للفهم والتطبيق في بيئتنا العربية. ولم يكتفِ بنقل الأفكار من لغتها الأصلية، بل ساهم في صناعة قاموس إداري عربي حديث، ونحت وكرّس مجموعة من المصطلحات التي أصبحت لاحقًا جزءًا من لغة الإدارة والأعمال في عالمنا العربي؛ مثل «الهندرة» و«التمكين» و«التمتين» و«الكفاءات المحورية» وغيرها.
وهنا تكمن إحدى أهم بصماته؛ فالترجمة ليست أن تنقل كلمة من لغة إلى أخرى، بل أن تنقل فكرة إلى ثقافة جديدة، وأن تمنحها اسمًا تستطيع أن تعيش به وتنتشر وتُمارس. كثيرون قرأوا الإدارة بالإنجليزية، لكن نسيم كان من الذين ساعدوا المدير العربي على أن يفكر في الإدارة بالعربية.
وهذا، في تقديري، أثرٌ أعمق من مجرد تأليف كتاب أو إلقاء محاضرة؛ لأن من يصنع المصطلح لا يضيف كلمة إلى القاموس فقط، بل يوسّع حدود الفهم، ويمنح أجيالًا كاملة لغةً تستطيع بها أن تصف أفكارًا لم تكن تملك لها أسماء من قبل.
وعلى مدى عقود، تنقل بين السعودية ومصر والإمارات والأردن، حاضر ودرّب وكتب وناقش القيادات والمديرين والمسؤولين. عرفته قاعات التدريب والمنابر والمؤسسات قبل أن تعرفه خوارزميات التواصل الاجتماعي.
ولكن أجمل ما في قصة نسيم ليس عدد الكتب التي قرأها، ولا المقالات التي كتبها، ولا المنابر التي وقف عليها.
أجمل ما فيها الرجل نفسه.
رجل عصامي، يصحو مبكرًا، يحتسي قهوته، ويبدأ العمل قبل أن يبدأ الآخرون يومهم. قارئ شره لم يهادن الكتاب، حتى دفع بصره جزءًا من ثمن هذه الرحلة. وبعد نحو ثلاثين عامًا من التلخيص كتب عن نفسه عبارة موجعة وجميلة :"نفد البصر ونفذت البصيرة".
وربما هذه هي الإدارة الحقيقية التي لا تدرّسها الكتب: أن تدفع من عمرك ثمنًا لما تؤمن به.
واليوم، بعد أن جاب العواصم وعاش بين القاهرة والرياض ودبي وغيرها، اختار أن يعود إلى الجذر.
إلى عجلون.
هناك، في منطقة "وادي النوم"، المطلة على القلعة، يفطر فطورًا بلديًا، ويتعشّى عشاءً بلديًا، ويتنفس هواء البلاد التي ظل يحملها معه أينما ذهب.
وأتخيله صباحًا، أمام فنجان قهوته، وقد هدأت ضوضاء المطارات والفنادق وقاعات التدريب، لكنه ما زال يقرأ… أو على الأقل يحاول.
فالذين عاشوا حياتهم مع المعرفة لا يتقاعدون منها.
قد تتعب العين، ولكن البصيرة لا تتقاعد.
وقد يهدأ الجسد، لكن الفكرة تظل تمشي.
لهذا، حين نكتب تاريخ الإدارة العربية الحديثة، يجب ألا نكتب فقط عن النظريات والمؤسسات والجامعات؛ علينا أن نكتب عن أولئك الذين حملوا الكتاب على أكتافهم، وترجموا المعرفة، واختصروا المسافات، وفتحوا نوافذ العالم أمام أجيال من المديرين العرب.
ونسيم الصمادي "ابن الوهاج" واحد من هؤلاء.
بل ربما يستحق اسمًا أبسط وأكبر:
نسيم الصمادي… أبو الإدارة العربية.
وبيني وبينكم…
بعد كل هذه السنوات من الكتب والطائرات والمحاضرات والعواصم، ربما اكتشف أبو الإدارة العربية أعظم خلاصة في كتاب الحياة:
أن تنجز ما تستطيع، وتترك أثرًا طيبًا، ثم تعود إلى عجلون…
تفطر خبزًا وزيتًا وزعترًا، وتشرب قهوتك على مهلك، وتنظر إلى الجبال التي بدأت منها الحكاية.
فالنجاح الحقيقي ليس فقط أن يعرفك العالم… بل أن تعود في النهاية إلى المكان الذي تعرف فيه نفسك.