حين يصبح التمويل المناخي صناعةً للمستقبل
امل خضر
07-09-2026 07:08 PM
القرار الملكي لا يفتح ملفاً بيئياً بل يفتح معركة الأردن على رأس المال والنمو والسيادة الاقتصادية.
ليست القضية أن يبحث الأردن عن مالٍ أخضر لمواجهة تغير المناخ القضية أن يعيد تعريف المال نفسه كأداة لصناعة مستقبله الاقتصادي. ومن هنا فإن توجيه جلالة الملك عبدالله الثاني الحكومة إلى إعداد استراتيجية وطنية متكاملة وموحدة للتمويل المناخي والأخضربالتعاون مع القطاع الخاص يتجاوز بكثير حدود الملف البيئي ويفتح أمام الدولة سؤالاً أكثر عمقاً كيف يتحول الأردن من متلقٍ للتمويل إلى اقتصاد قادر على استقطاب رأس المال وتوجيهه نحو أولوياته الوطنية؟
هذه هي الزاوية التي تجعل التوجيه الملكي ذا دلالة استراتيجية.
فالعالم لا يعيد النظر في المناخ وحده بل يعيد ترتيب حركة رأس المال والاستثمارات تتجه بصورة متزايدة نحو الاقتصادات والمشاريع القادرة على إدارة المخاطر وكفاءة الموارد والاستدامةوالشفافيةولذلك لم يعد التمويل الأخضر ترفاً دولياً أو عنواناً دبلوماسياً وإنما أصبح جزءاً من معادلة التنافس الاقتصادي نفسها.
وفي هذه المعادلة لا تكفي الإمكانات.
رأس المال لا يستثمر في الإمكانات وحدها يستثمر في مشروع قابل للتمويل وبيئة قابلة للثقة وتشريعات قادرة على حماية الاستثمار.
وهنا تظهر أهمية توجيه الملك إلى استراتيجيةمتكاملة وموحدة. فالمطلوب ليس مبادرات متفرقة في الطاقة والمياه والنقل والزراعة والصناعةبل منظومة وطنية واحدة تحدد الأولويات وتجمع أدوات التمويل وتوزع المخاطر وتفتح الطريق أمام الاستثمار الخاص والدولي.
والأهم أن الدولة لا يُفترض أن تتحول إلى الممول الوحيد. دورها الأذكى هو أن تستخدم المال العام لتحريك المال الخاص عبر تخفيض المخاطر وتحسين البيئة التشريعية وتوفير البيانات وبناء الثقة وإعداد مشاريع تستطيع المؤسسات المالية والمستثمرون الدخول إليها بثقة.
عندها يصبح الدينار العام أكثر من إنفاق يصبح رافعة لرأس المال.
وهنا تحديداً يصبح إشراك القطاع الخاص في الاستراتيجية جزءاً من فلسفة التحديث الاقتصادي لا مجرد تفصيل في آلية التنفيذ. فالدولة تضع الاتجاه والقواعد والقطاع الخاص يضخ الاستثمار والخبرة والابتكار ومؤسسات التمويل توفر الأدوات التي تجعل المشاريع قابلة للنمو. تلك هي الشراكة التي تستطيع تحويل محدودية الموارد إلى قوة في تعبئة رأس المال.
أما الاقتصاد الأخضر فلا ينبغي النظر إليه باعتباره فاتورة جديدة على الأردن فالطاقة المتجددة تعني أمن طاقة وكفاءة أعلى والاستثمار في المياه يعني حماية أحد أكثر موارد المملكة حساسية، والنقل المستدام يعني اقتصاداً أقل كلفة وأكثر كفاءة والصناعة الخضراء تعني قدرة أكبر على المنافسة في أسواق تتغير معاييرها بسرعة.
المناخ إذن لم يعد ملفاً بيئياً خارج الاقتصادلقد أصبح جزءاً من الاقتصاد نفسه.
بل إن الأمر يمتد إلى الأمن الاقتصادي فكلما نجح الأردن في تنويع مصادر التمويل واستقطاب رأس المال الخاص وتقليل مخاطر المشاريع الاستراتيجية والاستثمار بكفاءة في موارده المحلية، ازدادت قدرته على حماية قراره الاقتصادي في عالم تتنافس فيه الدول على التمويل والتكنولوجيا والأسواق.
ومن هنافإن الاختبار الحقيقي للاستراتيجية المقبلة لن يكون في صياغتها ولا في عدد صفحاتها وإنما في نتائجها: كم مشروعاً انتقل من الفكرة إلى التمويل؟ كم استثماراً دخل الاقتصاد؟ كم وظيفة جديدة خُلقت؟ وكم ديناراً عاماً استطاع أن يجذب وراءه رأس مال خاصاً ودولياً؟
هذه هي لغة النجاح التي ينبغي أن تُقاس بها المرحلة.
لذلك، فإن ما نحتاجه ليس استراتيجية جديدة تُضاف إلى أرشيف الاستراتيجيات وإنما عقل اقتصادي وطني جديدعقل يرى التمويل قبل أن يرى الإنفاق والاستثمار قبل أن يرى الكلفة والعائد قبل أن يرى المشروع ويرى القطاع الخاص شريكاً في صناعة الحل لا مصدراً بديلاً للتمويل
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة التوجيه الملكي باعتباره انتقالاً من سؤال كيف نواجه تغير المناخ؟ إلى سؤال أكثر جرأة
كيف نجعل التحول المناخي جزءاً من قدرتنا على النمو؟
إذا نجح الأردن في الإجابة عن هذا السؤال فلن يكون التمويل المناخي مجرد أموال تُستقطب لمواجهة تحديات المستقبل بل سيصبح رأس مالاً يُستثمر لصناعة المستقبل نفسه.
وهنا تحديداً تكمن قيمة اللحظة.