دبلوماسية المناخ الأردنية: ربط الأولويات الوطنية بفرص التمويل الدولي
د.علي سليم الحموري
07-09-2026 11:46 PM
أصبحت قدرة الدول على مواجهة التغير المناخي مرتبطة بكفاءة مؤسساتها، وقوة شراكاتها الدولية، وقدرتها على تأمين التمويل اللازم. وفي هذا السياق، يكتسب توجيه جلالة الملك عبدالله الثاني الحكومة إلى وضع استراتيجية وطنية متكاملة وموحدة للتمويل المناخي أهمية خاصة في تعزيز دبلوماسية المناخ الأردنية، وربط التعاون الدولي بالأولويات الوطنية، وإشراك القطاع الخاص في تحويل الفرص التمويلية إلى مشروعات تحمي الموارد وتدعم التنمية المستدامة.
وتقوم دبلوماسية المناخ على توظيف التفاوض والعلاقات الدولية لحشد التمويل والتكنولوجيا والخبرات، والدفاع عن الأولويات الوطنية. وتستمد فاعليتها من وضوح الاحتياجات المحلية، وتوافر البيانات، وقدرة المؤسسات على إعداد مشروعات قابلة للتنفيذ. وبالنسبة إلى الأردن، تتصل هذه المهمة بالأمن المائي والغذائي والطاقة، وبقدرة المجتمعات على التكيف مع المخاطر المناخية.
وتستند الاستراتيجية المرتقبة إلى جهود قائمة؛ إذ تحدد وزارة البيئة ستة قطاعات للاقتصاد الأخضر، تشمل الطاقة والمياه والنفايات والزراعة والسياحة والنقل، مع الاهتمام بالعدالة الاجتماعية. كما توفر استراتيجية التمويل الأخضر للبنك المركزي الأردني للأعوام 2023–2028 والتصنيف الوطني الأخضر أطرًا لتوجيه الاستثمار نحو الأنشطة المستدامة. والمطلوب تحقيق التكامل بين هذه الأطر وتحديد مسؤوليات التنفيذ ومؤشرات قياس النتائج.
وتبرز جهود جمعية البنوك في الأردن، من خلال منتدى التمويل الأخضر 2026 وإطلاق دليل التمويل والاستثمار الأخضر، أهمية إشراك القطاع الخاص في إعداد الاستراتيجية وتنفيذها. وتمتد مساهمته إلى التمويل والخبرات والابتكار وتطوير المشروعات. ويتطلب تفعيل هذه المشاركة وضوح السياسات، وتوفير المعلومات، وتوزيع المخاطر بصورة متوازنة، مع توجيه الاستثمارات نحو الأولويات الوطنية واحتياجات المجتمعات الأكثر تعرضًا للمخاطر المناخية.
ويمثل اعتماد بنك تنمية المدن والقرى لدى صندوق المناخ الأخضر قناة وطنية للوصول المباشر إلى موارده، وإعداد المقترحات وإدارة المشروعات المعتمدة. غير أن الاعتماد لا يعني الموافقة التلقائية على التمويل؛ فالمشروعات تخضع لإجراءات الصندوق ومعاييره. ولذلك، تبرز الحاجة إلى دعم البلديات والمؤسسات المحلية في إعداد الدراسات واستيفاء المتطلبات البيئية والاجتماعية.
وعلى مستوى المشروعات الكبرى، تشكل موافقة الصندوق على تمويل بقيمة 295 مليون دولار لمشروع الناقل الوطني للمياه مثالًا على ربط التمويل المناخي بالأمن المائي. ويشمل هذا التمويل منحًا وقروضًا، ما يستدعي تقييم شروطه وأثره في استدامة الخدمة وكلفتها، والتمييز بين اعتماد التمويل وصرفه الفعلي.
كما يتيح اختيار عمّان لاستضافة المكتب الإقليمي للصندوق، الذي يغطي الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، فرصة لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات. ويتطلب استثمارها تطوير الكفاءات والمبادرات المشتركة، دون افتراض أن الاستضافة تمنح المشروعات الأردنية أولوية تلقائية في التمويل.
وتقتضي دقة الاستراتيجية التمييز بين التمويل الأخضر، الذي يخدم أهدافًا بيئية متعددة، والتمويل المناخي الموجه إلى خفض الانبعاثات والتكيف. وتستحق مشروعات التكيف اهتمامًا خاصًا؛ فقد تحقق حماية المجتمعات من الجفاف والحرارة منافع اجتماعية كبيرة مع محدودية عوائدها التجارية، بما يبرر توسيع المنح والتمويل الميسر لها.
وتحتاج الشراكة مع القطاع الخاص إلى معايير واضحة للشفافية والمساءلة وإثبات الأثر البيئي والاجتماعي. كما ينبغي استمرار التمويل العام للأولويات التي لا تجذب الاستثمار التجاري، وإشراك الجامعات والمجتمع المدني في تقييم النتائج.
إن ترجمة التوجيه الملكي إلى نتائج ملموسة تقتضي وضع التكيف في صميم الاستراتيجية، وتوجيه التمويل إلى حماية المياه وتعزيز قدرة الزراعة والبنية التحتية والمجتمعات على مواجهة المخاطر المناخية. وهنا تُقاس قوة دبلوماسية المناخ الأردنية بتأمين تمويل عادل ومستدام يصل إلى الأكثر احتياجًا، ويحوّل الاستعداد المبكر إلى حماية للأرواح وسبل العيش. فتمويل التكيف استثمار في أمن الأردن وصموده، ومسؤولية تجاه أجياله المقبلة.