facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من يمنح رخصة البناء… ومن يدفع ثمنها؟


كامل الروضان
08-09-2026 03:14 PM

ليس كل من يملك فيلا متواضعة من الأثرياء، وليس كل من بنى قصرًا قد كان ميسور الحال منذ البداية؛ فكثير من البيوت ثمرة سنوات طويلة من العمل والادخار والغربة والتعب. وهذه حقيقة ينبغي أن نتذكرها ونحن نتحدث عن التنظيم العمراني والعمارات السكنية وتغير شكل الأحياء.

فقد يكون صاحب الفيلا قد اشترى قطعة أرض صغيرة قبل عشرات السنين، أو ورثها عن والده، ثم أمضى سنوات طويلة في العمل، في الدولة أو القطاع الخاص، أو قضى جزءًا كبيرًا من حياته في الغربة، حتى استطاع بعد عناء أن يبني منزلًا متواضعًا يأوي إليه في نهاية عمره الوظيفي، وأنفق عليه مدخرات سنوات طويلة من حياته.

ثم تمر السنوات، ويتغير التنظيم، وترتفع كثافة البناء، وتظهر العمارات السكنية من حوله، فيجد نفسه محاطًا بالأبنية من كل جانب، وقد يصل به الأمر إلى أن يتمنى لو أنه لم يبنِ منزله أصلًا.

والأمر ذاته ينطبق على من بنى بيتًا كبيرًا أو قصرًا. فهناك أردنيون أمضوا عشرات السنين في الغربة، والغربة لها ثمنها الباهظ، وعملوا واجتهدوا وادخروا، ثم عادوا إلى وطنهم وقرروا أن يبنوا منزلًا في المكان الذي اختاروه. لكنهم قد يفاجأون بعد سنوات بأن العمارات بدأت تحيط بمنازلهم، وأن المشهد العمراني الذي عرفوه عند البناء لم يعد هو نفسه.

وفي المقابل، هناك أسر كثيرة اختارت السكن في الشقق لأنها لا تستطيع تحمل كلفة شراء أرض وبناء منزل مستقل، وهذا حق طبيعي ومشروع. فالعمارات السكنية ليست مشكلة في حد ذاتها، بل هي جزء مهم من الحل السكني والاستثماري في المدن.

لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: هل المشكلة في العمارات نفسها، أم في أماكن إقامتها وارتفاعاتها وكثافتها وطريقة الترخيص لها؟

هنا تكمن القضية.

التنظيم العمراني ليس مجرد ورقة تسمح بالبناء، وإنما هو قرار يحدد مستقبل منطقة بأكملها. فعندما تُمنح رخصة لبناء عمارة كبيرة، فإن أثر القرار لا يتوقف عند حدود قطعة الأرض، بل يمتد إلى الجوار والشوارع ومواقف السيارات وشبكات المياه والصرف والكهرباء والخدمات، والأهم من ذلك كله: حركة المرور.

لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال عند منح أي ترخيص: هل يسمح التنظيم بالبناء فقط؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: هل المكان قادر على استيعاب هذا البناء وآثاره؟

فقد يكون البناء مستوفيًا لشروط الترخيص من الناحية الشكلية، لكنه في الواقع يخلق مشكلة للسكان وللمنطقة بأكملها.

والأمر لا يقتصر على العمارات السكنية. فالمطاعم والمقاهي والمخابز والمنشآت التجارية الكبيرة التي تُقام على الشوارع الرئيسية قد تتحول، بسبب مداخلها ومخارجها ووقوف المركبات أمامها ونقص مواقف السيارات، إلى نقاط اختناق مروري.

ولست مقتنعًا بأن زيادة أعداد السيارات وحدها هي سبب الأزمات المرورية التي نشهدها صباحًا ومساءً. فمواقع المنشآت التجارية، وطبيعة تراخيصها، وتصميم مداخلها ومخارجها، ومدى قدرتها على استيعاب زبائنها ومركباتهم، كلها عوامل لها أثر مباشر في حركة السير.

فهل من المنطقي أن نرخص لمنشأة تجارية كبيرة على شارع رئيسي لا يحتمل حركة إضافية، ثم نطلب من رجال السير بعد ذلك معالجة الازدحام؟

وهنا لا بد من توجيه الشكر الجزيل إلى رجال السير الذين يتحملون يوميًا العبء الأكبر في التعامل مع الاختناقات، ويسهرون ليلًا ونهارًا لتنظيم الحركة وحماية مستخدمي الطرق.

ومن هنا تبرز ضرورة أن تكون إدارة السير في مديرية الأمن العام شريكًا أساسيًا في دراسة التراخيص التي يكون لها أثر مباشر في حركة المرور، إلى جانب أمانة عمان والبلديات والجهات التنظيمية.

فـإدارة السير في مديرية الأمن العام تعرف جيدًا أين تقع الاختناقات، وأي شارع يستطيع استيعاب حركة إضافية وأي شارع لا يستطيع، وأين تتكرر المشكلات، وأين يمكن أن يؤدي مشروع جديد إلى زيادة الضغط على الطريق.

كما أن ارتفاعات الأبنية وكثافتها تحتاج إلى مراجعة مستمرة تراعي طبيعة كل منطقة وقدرتها على الاستيعاب. فلا يصح أن تتغير هوية منطقة سكنية منخفضة الارتفاع بصورة مفاجئة نتيجة السماح بأبنية شاهقة لا تتناسب مع بنيتها التحتية وشوارعها.

نحن لا ندعو إلى منع الاستثمار، ولا إلى إيقاف البناء، ولا إلى التضييق على من يريد إنشاء عمارة أو مشروع سكني أو تجاري. فالاستثمار العقاري مهم، والشقق أصبحت حاجة حقيقية لكثير من الأسر.

لكن الاستثمار الناجح لا يعني أن نبني في أي مكان لمجرد أن التنظيم يسمح بذلك.

التنظيم يجب أن يواكب المستقبل، لا أن يعالج الحاضر فقط.

فإذا كانت منطقة معينة ستشهد خلال السنوات المقبلة زيادة كبيرة في السكان والأبنية والمركبات، فيجب أن تُدرس قدرتها الاستيعابية قبل منح التراخيص، لا بعد أن تمتلئ شوارعها وتزدحم مواقفها ويصبح تغيير الواقع شبه مستحيل.

والقوانين والتنظيمات ليست نصوصًا جامدة لا يمكن مراجعتها. فهي وُضعت لخدمة المجتمع، وإذا أثبت التطبيق أن تنظيمًا معينًا لم يعد يحقق المصلحة العامة، فمن الطبيعي أن تتم مراجعته وتطويره وفق الأصول.

نحن بحاجة إلى مراجعة شاملة للتنظيم العمراني وآلية منح الرخص، تقوم على أسئلة واضحة: أين نبني؟ وكم نبني؟ وما الارتفاع المناسب؟ وما قدرة الشوارع؟ وأين توضع المطاعم والمقاهي والمنشآت التجارية؟ وهل تتوافر مواقف كافية؟ وهل تستطيع البنية التحتية استيعاب الزيادة؟ وما أثر المشروع على الجوار؟

المطلوب ليس أن ينتصر صاحب الفيلا على صاحب العمارة، ولا أن يُحرم المواطن من الشقة التي تناسب قدرته، ولا أن يُمنع المستثمر من الاستثمار.

المطلوب أن ينتصر التخطيط السليم للجميع.

فالمدينة الناجحة ليست التي تملك أكبر عدد من الأبراج، ولا التي تمنع البناء، وإنما التي تعرف أين تضع كل نوع من أنواع البناء، وبأي كثافة وارتفاع، وبما يتناسب مع الشوارع والخدمات وحاجات السكان.

وفي النهاية، فإن القضية ليست قضية فيلا في مواجهة عمارة، ولا صاحب قصر في مواجهة ساكن شقة، ولا مستثمر في مواجهة المواطن.

إنها قضية تنظيم وتخطيط ومسؤولية مشتركة.

وإذا كان الهدف هو مدينة أكثر راحة وأمانًا وانسيابية، فإن القرار العمراني يجب أن يُبنى على رؤية متكاملة، تشترك فيها الجهات المختصة، وفي مقدمتها أمانة عمان والبلديات والجهات التنظيمية وإدارة السير، حتى لا نسمح اليوم ببناء مشكلة ندفع ثمنها جميعًا غدًا.

فالمبنى قد ينتهي بناؤه خلال سنوات، لكن أثر القرار العمراني قد يبقى لعشرات السنين.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :