غازي الصمادي… الرحيل الذي لم يُطفئ الذكرى
كابتن أسامة شقمان
09-09-2026 10:14 AM
عرفتُ الكابتن البطل غازي الصمادي أول مرة من خلال أخيه أبو عامر، العميد المتقاعد الذي كان في مطلع السبعينات يشغل منصب مدير مخابرات العقبة، وكان في الوقت نفسه من أصدقاء والدي الذين جمعتهم به صحبة قديمة ووفاء بقي أثره في الذاكرة والوجدان.
ثم شاءت الأيام أن تفتح صفحة أخرى من المعرفة فجمعتني بالكابتن غازي في الملكية الأردنية على طائرة التريستار كنت يومها مساعد طيار وكان هو الكابتن المسؤول عن الرحلة وهناك عرفته عن قرب لا بالاسم ولا بالسيرة وحدهما، بل بالموقف والسلوك وطريقة التعامل كان إنسانًا متواضعًا خلوقًا هادئ الحضور لا تصنع هيبته الرتبة ولا المقعد الذي يجلس عليه، بل يصنعها خلقه واحترامه للآخرين.
وفي عالم الطيران يتعرّف الرجال إلى بعضهم بطريقة مختلفة، فالسماء لا تجامل أحدًا، والمسؤولية تكشف الطباع، ولحظات القرار تُظهر معدن الإنسان ومن خبرتي الطويلة أدركت أن الكفاءة وحدها لا تكفي لصناعة القائد فهناك فرق بين من يقود الطائرة، ومن يقودها وفي داخله خلق الإنسان والكابتن غازي، كما عرفته كان من أولئك الذين جمعوا بين الخبرة والتواضع، وبين المسؤولية ونبل المعاملة.
رحم الله الكابتن غازي الصمادي رحمة واسعة، وغفر له وأكرم نزله وجعل ما قدّمه في حياته من خدمة وعمل وخلق طيب في ميزان حسناته فالإنسان حين يرحل لا يأخذ معه الرتب ولا المناصب ولا الألقاب، بل يترك خلفه شيئًا واحدًا هو الأثر وما أجمل أن يكون أثر الرجل كلمة طيبة في أفواه من عرفوه، وذكرى محترمة في قلوب من عملوا معه.
أما أبو عامر، أخو الكابتن غازي وصديق والدي القديم فله في نفسي مكانة خاصة، وقد كانت آخر زيارة لي إلى بيته قبل أسابيع قليلة للاطمئنان عليه وهي زيارة أعادت إليّ كثيرًا من صور الماضي وذكّرتني بأن بعض الصداقات لا تنتهي برحيل جيل بل تمتد إلى من بعده كأن الوفاء ميراث غير مكتوب.
أسأل الله أن يمنّ على أبو عامر بالصحة والعافية وأن يحفظه ويرعاه ويطيل عمره في طاعته ورضاه ويحيطه بالسكينة والطمأنينة، وأسأل الله أن يرحم والدي ووالديه، وأن يجمع من رحلوا منا في واسع رحمته.
فالزمن يأخذ منا الوجوه واحدًا بعد آخر لكنه لا يستطيع أن يأخذ المعنى الذي تركوه فينا والرجال الحقيقيون قد يغيبون عن العين لكنهم يبقون في الذاكرة كما تبقى النجوم في السماء، قد لا نصل إليها لكننا نهتدي بضوئها طويلًا بعد غيابها.