حين نحاكم المستقبل بأدوات الماضي .. ردّ على د. مصطفى عيروط
د. محمد بني سلامة
10-09-2026 01:40 PM
قرأت باهتمام ما كتبه الزميل الأستاذ الدكتور مصطفى محمد عيروط حول حديث معالي وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية الأستاذ الدكتور عزمي محافظة، وأبدأ من حيث ينبغي أن يبدأ أي حوار محترم: للدكتور عيروط كامل الحق في أن ينتقد، وأن يسأل، وأن يعترض، وله تجربته الإعلامية والأكاديمية التي أقدرها وأحترمها. لكن احترام صاحب الرأي لا يعني التسليم بصواب الرأي، ولا يمنع من القول بوضوح إن كثيرًا مما ورد في المقال يحتاج، في تقديري، إلى مراجعة عميقة.
فالمشكلة الجوهرية في الطرح ليست في حرصه على التعليم، وهو حرص لا أشك فيه، وإنما في الزاوية التي ينظر منها إلى عملية الإصلاح. إذ بدا وكأن النظام القديم أصبح معيارًا للحكم على كل جديد، وكأن طول عمر النظام دليل كافٍ على صلاحيته للمستقبل.
وبعبارة مباشرة: بدا لي أن الدكتور عيروط، في قراءته هذه، يقف على رأسه بدلًا من أن يقف على قدميه؛ ولذلك ظهرت له بعض الأشياء بالمقلوب.
فالمستقبل لا يُقرأ بعيون عام 1975، والتعليم في عام 2026 لا يمكن أن يُدار بالمنطق نفسه الذي أدار التعليم قبل نصف قرن.
ليس كل قديم مقدسًا... وليس الاستقرار مرادفًا للجمود
يكرر الدكتور عيروط دفاعه عن نظام «العلمي والأدبي والمهني»، مستندًا إلى استقراره وسمعته وتجربة الأردنيين الطويلة معه.
وهنا أسأل: هل معيار جودة النظام التعليمي هو عدد السنوات التي بقي فيها دون تغيير؟ أم قدرته على الاستجابة للتحولات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية؟
لو كان طول عمر النظام سببًا كافيًا للإبقاء عليه، لما غيّرت أي دولة متقدمة مناهجها، ولا امتحاناتها، ولا فلسفة القبول في جامعاتها.
العالم الذي نعد أبناءنا له اليوم هو عالم الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والتخصصات البينية، والوظائف التي تتغير بسرعة، والمعرفة التي تتضاعف بوتيرة غير مسبوقة. فهل يكون ردنا على كل ذلك: أعيدوا إلينا العلمي والأدبي لأننا اعتدناهما؟
التعليم ليس متحفًا نحافظ فيه على مقتنيات الماضي، وإنما مصنع للمستقبل.
الحقول ليست مجرد تغيير أسماء
يذهب المقال إلى التساؤل: ما الفرق بين «الحقول» وبين العلمي والأدبي والمهني؟ بل يخلص تقريبًا إلى أن التغيير لا يتجاوز الاسم.
وهنا يقع الخلط الأساسي.
القضية ليست استبدال لافتة بلافتة، وإنما الانتقال تدريجيًا من تقسيم جامد واسع إلى علاقة أكثر مرونة بين المواد التي يدرسها الطالب، وقدراته وميوله، ومتطلبات التخصص الجامعي الذي يرغب فيه.
هناك فرق بين أن تقول لطالب في عمر مبكر: أنت «علمي» أو «أدبي» وانتهى الأمر، وبين أن تمنحه مجالًا أوسع لبناء مساره وفق مجموعة من المواد المرتبطة بخياراته المستقبلية.
قد نختلف في التفاصيل، وفي النسب، وفي آليات التطبيق، ومن حقنا المطالبة بالتقييم المستمر، لكن اختزال فلسفة كاملة في عبارة «مجرد تغيير أسماء» لا ينصف المشروع ولا يساعد على تقييمه موضوعيًا.
وهل كان «توجيهي زمان» نظامًا بلا مشكلات؟
المفارقة أن الدكتور عيروط نفسه يصف امتحان الثانوية العامة القديم بأنه كان «كابوسًا للأهل والطالب»، ثم ينتهي إلى الدعوة للعودة إليه!
إذا كنا متفقين على أن امتحانًا واحدًا كان يستطيع أن يحسم مصير طالب ومستقبله الجامعي، وأنه كان يحوّل بيوت الأردنيين كل عام إلى حالة استنفار نفسي واجتماعي واقتصادي، فلماذا يصبح هذا النظام فجأة نموذجًا مثاليًا لا يجوز المساس به؟
أليس توزيع عملية التقييم وإعطاء الطالب فرصًا وخيارات أوسع فكرة تستحق التجربة والتطوير بدل رفضها مسبقًا؟
إن المطلوب ليس استبدال «كابوس» بكابوس آخر، بالطبع، ولهذا يجب مراقبة التطبيق وتصحيح أي خلل؛ لكن العلاج لا يكون بالعودة إلى المرض الذي كنا نشكو منه.
وسائل التواصل الاجتماعي ليست مركزًا لاستطلاع الرأي
ومن أكثر ما أثار استغرابي الاستناد إلى التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي للاستنتاج بأن الأردنيين غير مقتنعين بالنظام الجديد.
مع الاحترام لكل مواطن ورأيه، منذ متى أصبحت تعليقات «فيسبوك» ووسائل التواصل بديلًا عن الدراسات العلمية واستطلاعات الرأي المنهجية وتقييم السياسات العامة؟
وسائل التواصل مرآة مهمة لجزء من المزاج العام، لكنها ليست عينة علمية ممثلة للمجتمع، ولا يمكن بناء سياسة تعليمية لملايين الطلبة على عدد التعليقات المؤيدة أو المعارضة.
ولو كانت السياسات الإصلاحية تقاس بالتعليقات الآنية وحدها، لما استطاعت حكومة في العالم تنفيذ إصلاح مؤلم أو تغيير بنيوي واحد.
فالناس بطبيعتها تخشى المجهول، والأسر تقلق على أبنائها، وهذا مفهوم ومحترم. لكن مهمة الدولة ليست فقط الاستجابة للقلق؛ بل شرح الإصلاح، وإدارة الانتقال، والاستماع للملاحظات، ثم اتخاذ القرار الذي يخدم المستقبل.
الاستفادة من العالم ليست استنساخًا للعالم
ويقول الدكتور عيروط، بحق، إن ما يصلح لدولة قد لا يصلح للأردن.
أتفق تمامًا.
لكن هذه الحقيقة لا تقود إلى النتيجة التي ذهب إليها.
فلا أحد يدعو إلى نسخ تجربة دولة أخرى ووضعها فوق النظام الأردني. علم السياسات العامة كله يقوم على دراسة التجارب المقارنة، واستخلاص الدروس، ثم توطينها بما يتناسب مع البيئة الوطنية.
هل نتوقف عن تطوير الجامعات لأن نماذج الجامعات الحديثة نشأت خارج الأردن؟ هل نرفض التكنولوجيا لأنها طورت في دول أخرى؟ هل نغلق الباب أمام المعايير الدولية لأنها ليست أردنية المنشأ؟
الأمم الواثقة من نفسها لا تخشى تجارب الآخرين؛ بل تتعلم منها وتأخذ ما يناسبها وتترك ما لا يناسبها.
أما أبناء الوزير... فما علاقتهم بالسياسة التعليمية؟
أما ربط نجاح التوجه نحو التعليم المهني بما إذا كان أبناء الوزير أو المسؤول قد درسوا تخصصات مهنية، فهو في تقديري أضعف أجزاء الحجة.
نحن نناقش سياسة عامة لدولة، لا السيرة العائلية لوزير.
السياسة التعليمية تُقيّم بالأهداف والمؤشرات والنتائج والطاقة الاستيعابية وحاجات سوق العمل ومستقبل الاقتصاد، وليس باختيارات أبناء الوزير أو المسؤول أو الأستاذ الجامعي.
وإذا فتحنا هذا الباب، فسننتقل من مناقشة السياسات إلى تفتيش الحياة الخاصة للمسؤولين، وهذا لا يخدم حوارًا تربويًا جادًا.
المطلوب أن يكون المسؤول قدوة في النزاهة والكفاءة وتحمل المسؤولية، أما أن نجعل خيارات أسرته الأكاديمية شرطًا لصحة السياسة العامة التي يتبناها، فذلك خلط بين الشخصي والمؤسسي.
حرية الاختيار لا تعني غياب التخطيط
كما أن الحديث عن حرية الطالب في اختيار تخصصه يحتاج إلى قدر من الدقة.
نعم، حرية الاختيار قيمة أساسية، لكن هل تعني أن على الدولة فتح كل التخصصات بلا حدود وبصرف النظر عن قدرات الجامعات وحاجات سوق العمل؟
إذا أراد عشرات الآلاف دراسة الطب مثلًا، فهل تصبح الدولة ملزمة بإنشاء عشرات كليات الطب تحقيقًا لـ«حرية الاختيار»؟
التخطيط للتعليم مسؤولية دولة. وموازنة رغبات الأفراد مع الكفاءة والجودة والطاقة الاستيعابية وحاجات المجتمع ليست انتقاصًا من الحرية، وإنما جوهر الإدارة الرشيدة للموارد العامة.
عزمي محافظة لا يدير مغامرة شخصية
وهنا أصل إلى النقطة الأهم.
من يقرأ بعض الاعتراضات قد يخرج بانطباع أن الدكتور عزمي محافظة استيقظ ذات صباح وقرر بمفرده أن يغير التوجيهي، وأن الأردن كله أصبح أمام «تجربة شخصية» لوزير!
وهذا تصوير غير منصف.
معالي الدكتور عزمي محافظة يقود اليوم ملفًا من أصعب ملفات الدولة الأردنية وأكثرها حساسية، ويتحمل مسؤولية تنفيذ عملية تطوير واسعة للتعليم وتنمية الموارد البشرية ضمن توجه وطني أشمل نحو التحديث.
والرجل، لمن يعرف سيرته الأكاديمية والإدارية، ليس طارئًا على التعليم ولا هاويًا يخوض تجربة عابرة؛ إنه أكاديمي وطبيب وأستاذ جامعي وإداري تولى مسؤوليات أكاديمية ووطنية كبرى، ويعرف أن أي قرار في التعليم يمس مستقبل مئات الآلاف من الأسر الأردنية.
والأهم أن عملية تحديث التعليم ليست معزولة عن الرؤية الإصلاحية والتحديثية التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، والتي تجعل الاستثمار في الإنسان الأردني، والتعليم، والتدريب، وتنمية الموارد البشرية أساسًا لمستقبل الدولة.
ومن هنا، فإن تصوير الإصلاح وكأنه نزوة وزير يظلم الوزير، ويظلم المؤسسات التي عملت على المشروع، والأهم أنه يختزل قضية وطنية كبرى في شخص واحد.
نعم للنقد... ولكن لا لتحويل الخوف إلى فيتو على المستقبل
لا أدعو أحدًا إلى التصفيق لكل قرار يصدر عن وزارة التربية.
ولا أقول إن النظام الجديد كامل لا يأتيه الخطأ.
بل أطالب الوزارة نفسها بمزيد من الشرح والحوار، والاستماع للطلبة والأسر والمعلمين والأكاديميين، وإجراء تقييم مستمر لكل مرحلة، والتراجع عن أي تفصيل تثبت التجربة أنه لا يحقق الغاية المنشودة.
هذه هي الإدارة الحديثة.
لكن ثمة فرقًا هائلًا بين مراجعة الإصلاح لتحسينه وبين إلغاء الإصلاح خوفًا من التغيير.
فالتغيير سنة الحياة، والدولة التي تخشى تعديل نظام تعليمي لأنه قائم منذ عقود هي دولة تحكم على أبنائها بأن يدخلوا المستقبل بأدوات الماضي.
صديقي الدكتور عيروط... انظر إلى الأمام
ولذلك أقول للصديق والزميل الدكتور مصطفى عيروط، مع كامل الاحترام لتجربته الإعلامية والأكاديمية: أعد قراءة حديث الدكتور عزمي محافظة، ولكن هذه المرة بعيدًا عن الحنين إلى «توجيهي زمان».
لا تنظر إلى طالب 2026 بعيني طالب 1975.
لا تجعل ما ألفناه معيارًا لما يجب أن يبقى.
ولا تجعل خوف الناس الطبيعي من التغيير دليلًا على خطأ التغيير.
إنني أختلف مع الطريقة التي قرأت بها المشهد؛ لأنك، في تقديري، بدأت من النتيجة ثم بحثت عن الأدلة التي تؤيدها: القديم مستقر إذن هو الأفضل، والجديد يثير الجدل إذن ينبغي التراجع عنه.
وهكذا يُبنى الهرم على رأسه.
أما إذا أعدناه إلى قاعدته الطبيعية، فالسؤال يصبح مختلفًا تمامًا: ما النظام الذي يحتاجه الطالب الأردني خلال السنوات والعقود المقبلة؟ وكيف نطوره ونختبره ونصحح أخطاءه حتى نصل إلى الأفضل؟
هذا هو السؤال الذي يستحق النقاش.
وباقة الورد ما تزال جاهزة
لقد ختم الدكتور عيروط مقاله بعبارة جميلة: «إن أخطأت فأعتذر».
وأنا أحييه على هذه العبارة؛ لأن الاعتذار عند ظهور الحجة الأقوى ليس ضعفًا، وإنما شجاعة فكرية وأخلاقية.
ولهذا أقول له بمحبة واحترام: إذا أعدت قراءة المشروع كاملًا، ووجدت أن بعض الأحكام كانت متسرعة، وأن الصورة أكبر من مجرد استبدال «العلمي والأدبي» بـ«الحقول»، فلا تتردد في ممارسة الفضيلة التي دعوت إليها بنفسك.
قدم لمعالي الدكتور عزمي محافظة باقة ورد واعتذارًا شجاعًا.
وسأكون أول المصفقين لك.
أما باقة الورد الثانية، فهي لمعالي الدكتور عزمي محافظة، مع رسالة واضحة: امضِ في التطوير، واستمع للنقد، وصحح ما يحتاج إلى تصحيح، واشرح للناس أكثر، ولكن لا تجعل الخوف من التغيير سببًا للتراجع عن التغيير الذي يحتاجه مستقبل أبنائنا.
فالأردن لا يحتاج إلى تقديس القديم لأنه قديم، ولا إلى الاحتفاء بالجديد لأنه جديد.
الأردن يحتاج إلى إصلاح مدروس، وقرار شجاع، ونقد مسؤول، ومراجعة علمية، وقيادة تمتلك القدرة على النظر أبعد من اللحظة الراهنة.
والتعليم، كما يقول الدكتور عيروط وكما نقول جميعًا، أكبر من وزير، نعم.
لكنه أيضًا أكبر من مقال، وأكبر من ذكرياتنا الشخصية، وأكبر من حنيننا إلى النظام الذي درسنا فيه قبل نصف قرن.
التعليم مستقبل دولة.
ومستقبل أبنائنا يستحق منا أن نقف على أقدامنا ونحن ننظر إلى الأمام، لا أن نقف على رؤوسنا فنرى المستقبل بالمقلوب.
حفظ الله الأردن، وحفظ قيادته الهاشمية، ووفق كل من يعمل بإخلاص لبناء تعليم يليق بأبنائنا وبمئوية الدولة الثانية.