facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هو الذي رأى .. اهوال الحكاية فيما لم ير لا فيما سمعنا او رأينا


يحيى حمدان
12-09-2026 09:27 AM

هناك كتاب قديم قرأته في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، كان عنوانه "هو الذي رأى". لا اعلم لماذا تذكرته الان، ولماذا تذكرت عنوانه تحديدا، لكن هذا العنوان اوحى الي بفكرة ظلت تراودني: ان قصص الحياة والناس لا يحصرها عد، ولا يعرف تفاصيلها الجميع، وما نراه او نسمعه ليس بالضرورة كل الحقيقة.

ما اود الاشارة اليه من خلال عنوان الكتاب، الذي لا اذكر اسم مؤلفه، ان هناك حكايات لا نستطيع الجزم بكيف بدأت، وما اسبابها، ومن تسبب بوجودها اصلا. لكن العنوان يقول: "هو الذي رأى"، وليس كل من سمع. فمن رأى ما حدث ليس كمن سمع عنه، ومن سمع ليس كمن عاش تفاصيل القصة الحقيقية، بما فيها من خفايا واوجاع والام. ولا احد يستطيع ان يعرف حجم نيران القهر والعذاب والعجز التي نالت من صاحب الحكاية، الا من عاشها فعلا.

وهنا لا اسرد مثالا بعينه، ولا اتحدث عن حالة محددة لتكون نموذجا، وانما اتحدث عن جانب من اسرار الحقيقة التي قد تختفي خلف الروايات المتناقلة. عن انسان اغرق في بحور من الظلم والظلمات، حتى كاد ان يفقد حياته، وقد تكون حياته في زمن مضى سرا من اسرار رفعة من اوقعوه في شراك انتقام لا ذنب له فيه، الا امر واحد، انه كان يحمل بين ضلوعه قلبا نقيا، ويسارع من غير تردد الى فعل ما يلزم، ويلبي حاجات اولئك الذين قاموا لاحقا بهدم كيانه وتدمير بنيانه، بل واضافوا الى ذلك التحدث عنه بما ليس فيه.

هنا يكمن جوهر الامر.

قال الذين استمعوا اليه، وهم مصدقون لما سمعوا: "هو الذي رأى". ثم تناقلوا القصة، وقالوا: نحن الذين سمعنا. وهكذا ازدادت حلقات الظلم، وتراكم الظلام فوق ظلم وقع اصلا، من دون ان يفكر احد منهم، ولو للحظة، في طرح السؤال الاهم على صاحب القصة ومحورها:
هل الذي رأى قال ما حدث حقا؟

وهل كل من ادعى انه رأى، رأى الحقيقة كاملة؟

فقد يرى الانسان مشهدا، لكنه لا يرى ما سبقه ولا ما تلاه. وقد يسمع جزءا من الحكاية، فيبني عليها رواية كاملة. وقد ينقل ما فهمه على انه الحقيقة، ثم يأتي من بعده من ينقلها على انها يقين لا يحتمل الشك.

ولو تعاملنا مع شائعات الحياة بهذا المنظور، لنجونا من الوقوع في ظلمات ظلم اشخاص لا ذنب لهم، سوى ان قصتهم لم ترو من طرفهم، او انهم لم يجدوا من يمنحهم فرصة الكلام. فالظلم لا يبدأ دائما من صاحب الشائعة، بل قد يبدأ ايضا من المستمع الذي منحها ثقته من دون سؤال، ثم ساهم في نقلها وتثبيتها في اذهان الاخرين.

وربما كان ظلم المستمع احيانا اشد من ظلم الناقل، لان الناقل قد يكون صاحب مصلحة او اعتقاد، اما المستمع فقد كان يستطيع ان يتوقف، وان يسأل، وان يقول: لست متأكدا.

ليس كل ما يروى حقيقة، وليس كل من قال "انا رأيت" قد رأى الصورة كاملة. وبين ما حدث فعلا، وما قيل انه حدث، مسافة قد تكون فيها حياة انسان، وكرامته، وسمعته، وربما عمر كامل من الالم.

لذلك، لنحاول ان نرفض تصديق كل شيء لمجرد ان شخصا ما ادعى انه "هو الذي رأى". فالحقيقة لا تثبتها قوة الرواية، ولا كثرة من يرددونها، وانما يثبتها العدل، والتثبت، وسماع جميع الاطراف.

فربما كان هناك من رأى، وهناك من سمع، وهناك من عاش الحكاية كلها، ومع ذلك بقيت الحقيقة في مكان لا يعرفها الا من عاشها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :