facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




كيف يبني الأردن موازنة أكثر اعتماداً على ذاته؟


د. حمد الكساسبة
12-09-2026 01:23 PM

تغطي الإيرادات المحلية في موازنة 2026 نحو 89% من النفقات الجارية. وهذه ليست نسبة هامشية؛ فهي تعني أن الجزء الأكبر من الإنفاق الجاري يمول بالفعل من الداخل. وفي الوقت نفسه، تبلغ المنح الخارجية المقدرة للموازنة نحو 735 مليون دينار، بينما تقترب فوائد الدين من 2.26 مليار دينار، أي أكثر من ثلاثة أمثال قيمة المنح. هنا يبدأ السؤال الأهم: إذا كان الأردن يمتلك هذه القاعدة المحلية، فكيف يحولها إلى موازنة أشد قدرة على تمويل أولوياتها من الداخل وأقل حساسية لتغير ظروف التمويل؟

هذا السؤال لا يفترض أن المنح ستتوقف، ولا يقلل من قيمة الشراكات الدولية التي ساعدت الأردن على مواجهة ضغوط وتمويل مشروعات أساسية. بل على العكس، فإن وجود هذه الشراكات اليوم يجعل الوقت مناسباً لبناء قدرة أكبر على الاعتماد على الذات. فالقوة المالية لا تبنى بعد تغير الظروف، وإنما في الفترات التي تتوافر فيها الموارد والقدرة على إعادة توجيهها. والهدف ليس موازنة بلا شركاء، بل شراكات يصبح أثرها أعمق كلما زادت قدرة الاقتصاد الأردني على الوقوف على قاعدة أقوى من موارده الذاتية.

والبداية من الإيرادات المحلية. فالخطأ هو اختزال تعزيزها في البحث عن أعباء جديدة على القاعدة الملتزمة. الموازنة الأقوى لا تبنى من القاعدة الضريبية نفسها بمعدلات أعلى، بل من اقتصاد أوسع ينتج ويستثمر ويصدر ويدخل النشاط الرسمي. وكلما اتسعت القاعدة الإنتاجية، وتحسن الامتثال، وتوسعت الفوترة الإلكترونية، واندمج جزء أكبر من النشاط غير المنظم، ازدادت قدرة الدولة على توليد الإيرادات من دون زيادة العبء على الملتزمين. كما أن مراجعة الإعفاءات والحوافز وفق ما تنتجه فعلياً من استثمار وتشغيل وقيمة محلية تجعل الإيرادات نتيجة لقوة الاقتصاد، لا بديلاً عنها.

وتقع مساحة أخرى في كلفة الدين. فعندما تقترب فوائد الدين من 2.26 مليار دينار، يصبح تخفيض كلفة التمويل وتحسين آجال الاستحقاق أكثر من مجرد إدارة مالية؛ إنه استعادة لحيز يمكن أن يعود إلى الاستثمار والخدمات والحماية الاجتماعية. والأردن يتحرك بالفعل في اتجاه تحسين هيكل الدين وإدارة آجاله وخفض كلفته، ويمكن البناء على ذلك كلما أتاحت الأسواق فرصة لإعادة تمويل التزامات أعلى كلفة. كما تبرز مبادلات الدين من أجل التنمية، سواء بخفض جزء من أصل الدين أو بتحويل جزء من خدمته إلى مشروعات في المياه والطاقة والاقتصاد الأخضر والتعليم التقني والاستثمار المنتج. فالأفضل، حين تسمح الشروط، أن يتحول جزء من الالتزام إلى أصل يبقى داخل الاقتصاد.

لكن نقطة التحول الحقيقية تقع خارج الموازنة نفسها. فالموازنة مرآة للاقتصاد الذي يقف خلفها؛ والدولة لا تصبح أكثر اعتماداً على ذاتها لأنها تجمع أكثر فقط، بل لأنها تنتج أكثر. لذلك لا يكفي أن نسأل عن الاستثمار: كم دخل من رأس المال؟ الأهم ماذا ترك داخل الاقتصاد: كم وظيفة خلق؟ كم مورداً محلياً شغّل؟ كم صادرات أضاف؟ وكم معرفة نقل؟ ومن هنا تكتسب السياسة المعلنة بعدم طرح مشروع حكومي للاستثمار إلا بمشاركة محلية لا تقل عن 30% أهمية خاصة، لأنها ترفع فرصة بقاء جزء أكبر من الخبرة وسلاسل التوريد والقيمة المضافة داخل الاقتصاد الأردني.

وهنا يظهر الفرق بين تغطية الاحتياجات وبناء القدرة. الأولى تعالج التزاماً قائماً، أما الثانية فتوسع قدرة الاقتصاد على تمويل التزاماته المقبلة. وينطبق المبدأ نفسه على المنح: فالمعيار الأهم ليس فقط قيمتها عند دخول الموازنة، بل ما يبقى منها في الاقتصاد بعد إنفاقها. والمنحة التي تخفض فاقد المياه أو كلفة الطاقة، أو تدعم الاقتصاد الأخضر والبنية الرقمية والتصدير، أو تسهم في مبادلة دين، يمكن أن تترك أثراً يتجاوز السنة المالية. عندها تتحول الشراكة من مورد يساعد على تغطية احتياج إلى أداة تبني قدرة اقتصادية متراكمة.

الأردن لا يحتاج إلى شراكات أقل، بل إلى شراكات تجعل اقتصاده أقوى. ولا يحتاج النقاش حول المنح إلى أن يبدأ بسؤال: ماذا لو توقفت؟ بل بسؤال أكثر أهمية: ماذا نبني بها وهي متاحة؟ وكلما اتسعت القاعدة الإنتاجية، وانخفضت كلفة الدين، وتحولت الموارد الخارجية إلى أصول واستثمار ومعرفة، أصبحت الموازنة أكثر قدرة على تمويل أولوياتها من الداخل. فالمعيار الحقيقي للاعتماد على الذات ليس مقدار ما يقل من الخارج، بل مقدار ما يزداد في الداخل من إنتاج وقدرة وقيمة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :