حين تتصدّر التفاهة المشهد .. الفيلسوف في مدينة لا تصغي
أ. د. هاني الضمور
12-09-2026 04:36 PM
كتب أفلاطون، في معنى بالغ القسوة والعمق: «إن الفلاسفة في المدن الجاهلة كإنسان سقط بين وحوش كاسرة، لا أمل له في إصلاحها». وسواء أخذنا العبارة بوصفها تلخيصاً لفكر أفلاطون أو مدخلاً إلى فلسفته، فإن معناها يبدو شديد الصلة بزماننا؛ زمنٍ لم يعد فيه الصراع بين الحكمة والجهل يدور في ساحات الفلسفة وحدها، بل انتقل إلى الشاشات والمنصات والفضاء العام، حيث أصبحت الشهرة في أحيان كثيرة بديلاً عن القيمة، والضجيج بديلاً عن الحجة، وعدد المتابعين بديلاً عن المكانة التي يصنعها العلم والعمل والموقف.
سوقٌ جديد لبيع الذات
لم تعد المشكلة أن في المجتمع تافهين؛ فالتفاهة رافقت المجتمعات منذ القدم، كما رافقها العلماء والحكماء وأصحاب المشاريع الكبرى. المشكلة تبدأ عندما تتحول التفاهة من هامشٍ محدود إلى سلعة مربحة، ثم إلى نموذج للنجاح، ثم إلى قوة قادرة على تشكيل الذوق العام.
في اقتصاد الانتباه الحديث، لا يُكافأ المحتوى دائماً على مقدار ما يحمل من معرفة أو معنى، وإنما كثيراً ما يُكافأ على قدرته على إثارة الناس واستفزازهم وجذب أنظارهم. وهنا يجد بعضهم الطريق الأقصر: فضيحة، مشاجرة، إساءة، استعراض للحياة الخاصة، تنازل عن الكرامة، أو موقف مصطنع يعرف صاحبه أنه سيجلب المشاهدات.
والثمن في البداية يبدو مغرياً: بضعة آلاف أو ملايين من المشاهدات، إعلان تجاري، شهرة عابرة، دعوة إلى مناسبة، أو مال سريع.
لكن السؤال الذي لا يظهر على شاشة الهاتف هو: ما الذي بيع في المقابل؟
أحياناً تكون البضاعة هي الخصوصية، وأحياناً الكرامة، وأحياناً المبدأ، وأحياناً صورة الإنسان أمام أبنائه ومجتمعه. وهكذا قد يكتشف المرء متأخراً أنه لم يكن يبيع محتوى، بل كان، شيئاً فشيئاً، يبيع نفسه بثمن بخس.
عندما يصبح التافه «قدوة»
الأخطر من شهرة شخص تافه ليس الشخص نفسه، بل الرسالة التي تصل إلى الجيل الذي يراقبه.
حين يرى الشاب باحثاً أمضى عشرين عاماً في العلم لا يعرفه إلا القليل، ثم يرى شخصاً لم يقدم شيئاً سوى الاستعراض وقد أصبح حديث المجتمع، فإن ميزاناً خطيراً يبدأ بالاختلال في ذهنه: لماذا أدرس؟ لماذا أتعب؟ لماذا أبني معرفة وخبرة إذا كان الطريق الأقصر إلى المال والاعتراف الاجتماعي يمر عبر إثارة الجدل؟
هنا لا نخسر مجرد ذائقة عامة، وإنما نخاطر بخسارة معيار النجاح ذاته.
يصبح السؤال: «كم لديك من المتابعين؟» بدلاً من «ماذا أنجزت؟»، و«هل أصبحت ترنداً؟» بدلاً من «ماذا أضفت؟»، و«كم ربحت؟» بدلاً من «كيف ربحت؟».
وهذه الأخيرة هي أخطر الأسئلة.
فالمال لا يمنح صاحبه القيمة الأخلاقية تلقائياً، والشهرة لا تمنح صاحبها المكانة، والانتشار ليس دليلاً على الحقيقة. قد يعرف الملايين اسم شخص لا يستحق الاقتداء به، بينما يعيش بينهم طبيب ومعلم وباحث ومهندس ومزارع وصاحب حرفة وأمّ وأب يقومون كل صباح بأعمال أكثر نفعاً للمجتمع من ألف مقطع يتصدر المنصات.
نحن أيضاً نصنع المشهد
ومع ذلك، سيكون من السهل جداً أن نلقي اللوم كله على «التافهين».
فمن الذي صنع شهرتهم؟
إن كان شخص يبيع خصوصيته أو كرامته مقابل المشاهدات، فهناك ملايين يشترون منه هذه البضاعة بنقراتهم وتعليقاتهم وإعادة نشرهم. وحتى السخرية منه قد تصبح وقوداً إضافياً لانتشاره.
نحن أمام سوق له بائع ومشترٍ.
وحين نقول غاضبين: «كيف أصبح فلان مشهوراً؟»، ربما ينبغي أن نسأل أنفسنا أيضاً: من شاهده؟ من أعاد نشره؟ من تناقش حوله طوال اليوم؟ ومن جعل اسمه أكثر حضوراً من أسماء أصحاب العلم والإبداع؟
الخوارزمية لا تعرف الفضيلة والرذيلة كما يعرفهما الإنسان؛ إنها ترى اهتماماً قابلاً للقياس. فإذا منحنا التفاهة ساعاتنا، أعادت إلينا المزيد منها. وإذا كافأنا الإسفاف بالمشاهدة، فهمت المنصة أن الإسفاف هو ما نريده.
وبذلك قد نلعن ظاهرة نحن، من حيث لا نشعر، أحد مموليها.
ليست المشكلة في الترفيه
ومن الضروري ألا يتحول نقد التفاهة إلى تعالٍ على الناس أو إلى حرب على الفرح والترفيه. فالإنسان يحتاج إلى الضحك والفن والرياضة والموسيقى والمحتوى الخفيف، وليس كل ما لا يحمل أطروحة فلسفية تافهاً.
التفاهة ليست أن تُضحك الناس؛ التفاهة أن تهين نفسك والآخرين لكي يضحكوا.
وليست أن تصبح مشهوراً؛ بل أن تجعل الشهرة غاية تبرر كل وسيلة.
وليست أن تكسب المال؛ بل أن تقبل أي ثمن مهما كان ما ستبيعه من نفسك مقابله.
هناك صانع محتوى بسيط يقدم البهجة ويحترم جمهوره ونفسه، وهو أنفع من صاحب خطاب ثقيل لا يحمل إلا الغرور. ولذلك فالمعيار ليس عدد الكتب التي قرأها المرء ولا طبيعة مهنته، وإنما القيمة التي يضيفها والحدود التي يرفض تجاوزها.
الفيلسوف المعاصر وسط «الوحوش»
لعل الصورة المنسوبة إلى أفلاطون تكتسب هنا معناها المعاصر. فـ«الفيلسوف» ليس بالضرورة أستاذاً يحمل كتاباً ويتحدث بلغة معقدة؛ قد يكون كل إنسان يحاول الاحتفاظ بعقله ومبدئه في بيئة تدفعه إلى عكس ذلك.
قد يكون صحفياً يرفض بيع قلمه، أو موظفاً يرفض الفساد، أو شاباً يرفض إذلال نفسه من أجل الشهرة، أو صاحب رأي لا يغير موقفه كلما تغير اتجاه الجمهور.
أما «الوحوش» فليس المقصود بها أشخاص بعينهم بقدر ما هي منظومة من الإغراءات: المال السريع، والشهرة، والتصفيق، والخوف من العزلة، والرغبة المحمومة في أن يرانا الآخرون.
وأصعب امتحان للإنسان ليس أن يتمسك بمبادئه حين تكافئه عليها الحياة، وإنما أن يتمسك بها حين يرى من تخلى عنها يتقدمه في المال والشهرة والمكانة الظاهرة.
هناك أشياء لا ينبغي أن يكون لها سعر
إن المجتمع الذي يسمح للسوق بأن يضع سعراً لكل شيء سيصل يوماً إلى الإنسان نفسه.
كم ثمن موقفك؟
كم ثمن صمتك؟
كم ثمن كرامتك؟
كم مشاهدة تحتاج كي تفعل ما كنت بالأمس تستحي من فعله؟
وكم مبلغاً يلزم كي تمدح ما كنت تذمه، أو تذم ما كنت تمدحه؟
ليست المأساة أن يكون للإنسان ثمن مرتفع أو منخفض؛ المأساة أن يقبل أصلاً بأن تكون بعض الأشياء فيه معروضة للبيع.
فالرجل أو المرأة اللذان يرفضان مالاً لأن طريقه يهينهما قد يكونان، بمعايير السوق، قد خسرا صفقة؛ لكنهما بمعيار أعمق احتفظا بشيء لا تستطيع الأموال شراءه بعد ضياعه: احترام الإنسان لنفسه.
المعركة الحقيقية على انتباهنا
لن تختفي التفاهة بقرار، ولن تستطيع الحكومات ولا المؤسسات منع البشر من البحث عن الشهرة. لكن المجتمع يستطيع أن يقرر لمن يمنح انتباهه واحترامه.
يمكننا أن نتوقف عن تحويل كل مهرج إلى قضية عامة، وأن نمنح أصحاب الإنجاز مساحة أكبر، وأن نعلّم أبناءنا أن الشهرة نتيجة محتملة وليست هدفاً، وأن النجاح الذي يحتاج صاحبه إلى التخلي عن كرامته ليس نجاحاً مهما بلغت أرقامه.
فنحن لا نعيش فقط في المجتمع الذي تصنعه الحكومات والمؤسسات؛ بل نعيش أيضاً في المجتمع الذي نصنعه يومياً باختيارات صغيرة جداً: من نشاهد، من نتابع، من نشارك كلامه، من نصفق له، ومن نقدمه لأبنائنا بوصفه ناجحاً.
وفي زمن أصبح فيه الانتباه عملة، فإن نظرتك نفسها نوع من التصويت.
قد لا نستطيع إسكات الضجيج، لكننا نستطيع ألا نكافئه. وقد لا نستطيع منع إنسان من بيع نفسه بثمن بخس، لكننا نستطيع ألا نكون نحن المشترين.
وحين يعود المجتمع إلى احترام من يبني أكثر ممن يستعرض، ومن يعرف أكثر ممن يصرخ، ومن يحفظ كرامته أكثر ممن يساوم عليها، فلن يحتاج الفيلسوف إلى الهرب من المدينة.
لأن المشكلة لم تكن يوماً أن الحكماء قليلون، بل أن المدينة انشغلت عنهم بالضجيج.