حرب الاستنزاف الكبرى: إيران وإسرائيل وأمريكا في معركة إعادة رسم المنطقة
د. عبدالله حسين العزام
12-09-2026 09:31 PM
لم تعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مجرد مواجهة عسكرية بين ثلاث قوى، بل تحولت إلى معركة مفتوحة على مستقبل الشرق الأوسط، وعلى شكل النظام الإقليمي الذي سيولد من تحت ركام هذه الحرب.
فالمعادلة لم تعد فقط: من يملك الطائرات والصواريخ الأكثر تطوراً؟ وإنما أصبحت: من يستطيع الصمود أطول، ومن يملك القدرة على تحويل القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية واستراتيجية؟
وهنا تحديداً تكمن خطورة ما يجري؛ فالتجارب التاريخية تقول إن التفوق العسكري قد يحسم معركة، لكنه لا يحسم بالضرورة حرباً طويلة، ولا يضمن تحقيق الأهداف السياسية. وهذا هو أحد أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من تجارب العراق وأفغانستان ولبنان؛ إذ كان إسقاط الخصم أو إضعافه عسكرياً أسهل بكثير من بناء ترتيبات سياسية مستقرة وقابلة للاستمرار. ومن هذه الزاوية، تبدو الحرب الحالية أقرب إلى صراع طويل على الإرادة والقدرة على التحمل منها إلى معركة يمكن أن تُحسم بمجرد التفوق في القوة النارية!.
وهذه القراءة تتقاطع مع طرح ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد وأحد أبرز منظّري المدرسة الواقعية في السياسة الدولية، الذي يرى أن الحروب الحديثة كشفت حدود قدرة القوى الكبرى على إجبار خصومها على تقديم تنازلات استراتيجية حاسمة، حتى عندما تمتلك تفوقاً عسكرياً كبيراً. وفي المقابل، يذهب جيمس جيفري، الدبلوماسي الأمريكي السابق والسفير السابق لدى العراق وتركيا والمبعوث الأمريكي السابق إلى سوريا، إلى قراءة أكثر تفاؤلاً بالنسبة إلى واشنطن، إذ يرى أن استمرار الضغط يمكن أن يفضي في النهاية إلى تسوية أفضل للمصالح الأمريكية. وبين الرؤيتين تبرز الحقيقة الأهم: الحرب لم تُحسم بعد، والنتيجة السياسية ستعتمد بقدر كبير على قدرة كل طرف على تحمل كلفة الزمن.
ولعل حرب لبنان عام 2006 تقدم مثالاً أكثر قرباً للحالة الراهنة. فقد امتلكت دولة الاحتلال الإسرائيلي تفوقاً جوياً واستخبارياً كبيراً، لكنها اكتشفت أن تدمير جزء من البنية العسكرية للخصم لا يعني بالضرورة إنهاء قدرته على الاستمرار أو فرض تسوية سياسية بالشروط التي تريدها. ومن هنا يبرز السؤال الذي يتكرر اليوم بصورة أكبر: هل تستطيع الضربات الدقيقة والعمليات العسكرية واسعة النطاق أن تتحول إلى حسم استراتيجي، أم أنها ستبقى انتصارات تكتيكية ضمن حرب أطول؟
علاوة على ذلك، فإن إيران لا تخوض المواجهة بالطريقة التقليدية وحدها. فهي تمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة، إضافة إلى شبكة واسعة من أدوات الضغط الإقليمي، تمتد من العراق واليمن إلى الخليج والممرات البحرية. وهذا يمنحها قدرة على توزيع كلفة الحرب جغرافياً، وتحويل الصراع من مواجهة مباشرة إلى أزمة إقليمية متعددة الساحات.
ومن هنا يمكن فهم أهمية ما يراه ستيفن كوك، الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، بشأن المأزق الذي قد تواجهه واشنطن إذا طال أمد الحرب. فحتى لو تعرضت إيران لخسائر عسكرية هائلة، فإن استمرار قدرتها على المقاومة، وتهديد الملاحة والطاقة، وإبقاء المنطقة في حالة عدم استقرار، قد يحول التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي إلى عبء سياسي واستراتيجي إذا عجز عن إنتاج تسوية نهائية.
وهذا ما بدأ يظهر بوضوح في الخليج والبحر الأحمر؛ إذ أصبحت منشآت الطاقة والممرات البحرية جزءاً من المعركة، فيما يتزايد الضغط على باب المندب بالتزامن مع اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز. كما تعرضت منشآت وخطوط طاقة في المنطقة لهجمات، الأمر الذي يوضح كيف يمكن أن تتحول الحرب من مواجهة على الأراضي الإيرانية إلى أزمة أمن وطاقة وتجارة تمتد آثارها إلى العالم كله.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن تجربة حرب العراق تقدم درساً بالغ الأهمية: عندما تدخل قوة كبرى حرباً وهي تعرف كيف تبدأها، لكنها لا تعرف بدقة كيف تنهيها، فإن الزمن قد يتحول من عامل قوة إلى عامل استنزاف. وكلما طال أمد الحرب، ارتفعت كلفتها السياسية والاقتصادية، وتزايدت الضغوط الداخلية والدولية، وبدأ الحلفاء أنفسهم بإعادة حساباتهم.
ومن هنا، فإن المعركة الحالية قد لا تنتهي بانتصار واضح لأي طرف. قد تنجح الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي في تدمير جزء كبير من القدرات العسكرية الإيرانية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة إخضاع إيران سياسياً. وفي المقابل، قد تتمكن طهران من مواصلة المواجهة ومنع خصومها من إعلان نصر استراتيجي، حتى لو تكبدت خسائر هائلة. وهذا هو جوهر حرب الاستنزاف: أن يتحول منع الخصم من تحقيق أهدافه إلى إنجاز استراتيجي، حتى من دون القدرة على تحقيق انتصار عسكري تقليدي.
لكن أخطر ما في هذه الحرب لا يتعلق بإيران وحدها، بل بما ستتركه على الدول العربية. فوفقاً لقراءة فيليب غوردون، الباحث والدبلوماسي الأمريكي السابق والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط، لمستقبل المنطقة، فإن دول الخليج قد تخرج من الحرب أكثر ميلاً إلى تنويع شراكاتها الأمنية، وأقل استعداداً للاعتماد على واشنطن وحدها. فالثقة بالمظلة الأمريكية لن تختفي، لكنها قد تصبح جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات مع قوى إقليمية ودولية أخرى.
وهنا يبرز التحول التركي بصورة لافتة. فصعود الدور التركي، إلى جانب التقارب السعودي ـ التركي ـ الباكستاني، يشير إلى أن المنطقة قد تتجه تدريجياً من نظام أمني يعتمد بصورة رئيسية على الولايات المتحدة إلى بيئة أكثر تعدداً في مراكز القوة. وقد يكون هذا أحد أهم الآثار الاستراتيجية غير المباشرة للحرب.
أما بالنسبة إلى السعودية، فإن المسألة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. فالمملكة تريد أن تركز على التحول الاقتصادي والاستثمار ورؤية 2030، لكن استمرار الحرب يفرض عليها إعادة ترتيب الأولويات الأمنية. ولذلك قد تجد الرياض نفسها أمام معادلة جديدة: الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن، مع بناء قدر أكبر من الاستقلالية الأمنية وتنويع الشراكات الإقليمية والدولية.
أما العراق واليمن ولبنان وسوريا، فقد تصبح ساحات اختبار حقيقية للنظام الإقليمي الجديد. فكلما طال الصراع الإيراني ـ الأمريكي ـ الإسرائيلي، ازدادت احتمالات أن تتحول هذه الدول من ساحات ارتداد للحرب إلى ساحات تفاوض وصراع على النفوذ. وهذا يعني أن مستقبل المنطقة العربية لن تحدده نتيجة الحرب المباشرة بين واشنطن وتل أبيب وطهران وحدها، بل أيضاً قدرة الدول العربية على منع أراضيها من التحول إلى ميادين صراع بالوكالة.
عموماً، فإن الفكرة التي تبرز هي أن الشرق الأوسط لن يعود بسهولة إلى ما كان عليه قبل الحرب. والمشهد يوصف بعبارة عالمية شديدة الدلالة: «الشرق الأوسط بلا خيارات جيدة»؛ وهي خلاصة تعكس مأزقاً إقليمياً تتداخل فيه الحرب مع الطاقة والملاحة والاستثمار والأمن والتحالفات.
وفي المقابل، يذهب فالي نصر، أستاذ العلاقات الدولية والباحث البارز في شؤون الشرق الأوسط والعميد السابق لكلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز، إلى أن إيران نفسها قد تعيد صياغة استراتيجيتها بعد الحرب، بحيث يصبح الردع المباشر وبناء القدرة على جعل أي هجوم عليها مكلفاً جزءاً أكثر مركزية من عقيدتها المستقبلية. وهذا يعني أن إضعاف إيران عسكرياً لا يعني بالضرورة إنهاء قدرتها على إعادة بناء نفوذها، وإنما قد يدفعها إلى إعادة تعريف أدوات ذلك النفوذ.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: من انتصر في الجولة العسكرية؟ بل: من سيكون قادراً على تشكيل اليوم التالي؟ فإذا انتهت الحرب من دون تسوية سياسية وأمنية جديدة، فقد نكون أمام شرق أوسط أكثر تسلحاً، وأكثر تعدداً في مراكز القوة، وأقل اعتماداً على قوة واحدة. أما إذا تحولت الضربات العسكرية إلى صفقة إقليمية كبرى تعيد تعريف أمن الخليج والممرات البحرية والعلاقة مع إيران ومستقبل دولة الاحتلال الإسرائيلي ومحيطها العربي، فقد تكون الحرب بداية نظام إقليمي جديد.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى: قد تمتلك الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي تفوقاً عسكرياً يسمح لهما بتدمير قدرات واسعة لدى الخصم، لكن التفوق العسكري لا يتحول تلقائياً إلى حسم سياسي. وفي المقابل، قد تكون إيران أضعف عسكرياً واقتصادياً، لكنها تستطيع، إذا حافظت على قدرتها على الصمود ورفع كلفة الحرب، أن تمنع خصومها من تحقيق النتيجة السياسية التي يريدونها.
ولهذا تبدو الحرب الحالية، في جوهرها، معركة على الزمن بقدر ما هي معركة على الأرض والسماء والبحر. فإذا استطاعت واشنطن وتل أبيب تحويل التفوق العسكري إلى تسوية سياسية، فقد تخرجان من الحرب وهما صاحبتا اليد العليا. أما إذا طال أمد الحرب وتحولت إلى استنزاف مفتوح، فقد يكون الثمن الأكبر هو تراجع القدرة الأمريكية على إدارة النظام الإقليمي، وظهور قوى إقليمية أكثر استقلالاً، وعلى رأسها السعودية وتركيا، ودخول الشرق الأوسط مرحلة جديدة لا يكون فيها النفوذ حكراً على قوة واحدة.
وفي النهاية، فإن الدرس الأهم من هذه الحرب ومن تجارب الحروب السابقة هو أن الانتصار العسكري لا يكفي لصناعة السلام، وإضعاف الخصم لا يعني بالضرورة القدرة على تشكيل ما بعد الحرب. فالحروب قد تنتهي على الأرض، لكنها تترك وراءها أسئلة سياسية وأمنية واقتصادية قد تستمر لسنوات. ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية قد لا تكون في تحديد من يملك السلاح الأقوى، بل في تحديد من يمتلك القدرة على تحويل نتائج الحرب إلى نظام سياسي وأمني قابل للاستمرار. وعندها فقط يمكن القول إن الحرب انتهت فعلاً، أما إذا بقيت أسباب الصراع قائمة، فإن ما يبدو انتصاراً عسكرياً قد لا يكون سوى بداية لجولة جديدة من الصراع وإعادة تشكيل المنطقة.